الخميس 18 سبتمبر 2014
بحث
أهون ألف مرة
أن تدخلوا الفيل بثقب إبرة
وأن تصيدوا السمك المشوي
في المجرة
أن تحرثوا البحر
أن تنطقوا التمساح
أهون ألف مرة
من أن تميتوا باضطهادكم
وميض فكرة
وتحرفونا عن طريقنا
الذي اخترناه
قيد شعرة
في ذكراها الرابعة والثلاثين ، ملحمة أكتوبر .. المعجزة تتحقق
دراســات - 6 أكتوبر 2007
أرسل المقال اطبع المقال

في هذا الملف
- بعيون صهيونية
- أين أدب حرب أكتوبر؟
- مفاهيم العالم تتغير
- ريشة الفنان


محيط - شيماء عيسى وسميرة سليمان وهاني ضوة

هي حرب أكتوبر 1973 .. حيث سطر جنود مصر أروع ملحمة هاتفين جهرا وسراً "الله أكبر" وأحرزوا نصرا كان في عداد المستحيلات بمقاييس الحرب الحديثة وعلى لسان قادة إسرائيل والعالم الغربي ، لقد استردوا سيناء الحبيبة أرض الفيروز من براثن العدو ، حتى لم يكن نصر أكتوبر إلا نصرا لكل عربي .. انتصار طال انتظاره بعد ست سنوات من جراح هزيمة 1967 الغائرة ، ليكون النصر صفحة مضيئة في كتاب الصراع العربي الإسرائيلي . وتسمى حرب أكتوبر (حسب التسمية المصرية) أو حرب تشرين التحريرية (حسب التسمية السورية) أو حرب يوم الغفران (حسب التسمية الإسرائيلية) .

في السادس من أكتوبر 1973 تم اختراق خط بارليف المنيع ، ومن مذكرات المشير محمد عبدالمنعم الجمسي رئيس هيئة العمليات للجيش المصري خلال الحرب نعرف سر اختيار هذا التوقيت تحديدا .. " وضعنا فى هيئة العمليات دراسة على ضوء الموقف العسكرى للعدو وقواتنا ، وفكرة العملية الهجومية المخططة، والمواصفات الفنية لقناة السويس من حيث المد والجزر .... درسنا كل شهور السنة لاختيار أفضل الشهور في السنة لاقتحام القناة على ضوء حالة المد والجزر وسرعة التيار واتجاهه واشتملت الدراسة أيضا جميع العطلات الرسمية فى إسرائيل بخلاف يوم السبت وهو يوم أجازتهم الأسبوعية، حيث تكون القوات المعادية أقل استعداد للحرب. وجدنا أن لديهم ثمانية أعياد منها ثلاث أعياد فى شهر أكتوبر وهم يوم كيبور ، عيد المظلات ، عيد التوارة " .

ووجدنا أن يوم كيبور هو اليوم الوحيد خلال العام الذى تتوقف فيه الإذاعة والتليفزيون عن البث كجزء من تقاليد هذا العيد اى ان استدعاء قوات الاحتياط بالطريقة العلنية السريعة غير مستخدمة ، وبالتالى يستخدمون وسائل أخرى تتطلب وقتا أطول لتنفيذ تعبئة الاحتياطى.... وكان يوم السبت ـ عيد الغفران ـ 6 أكتوبر 1973 هو اليوم".

تدخلت الدولتان العظميان في ذلك الحين في سياق الحرب بشكل غير مباشر حيث زود الاتحاد السوفياتي سوريا ومصر بالأسلحة بينما زودت الولايات المتحدة إسرائيل بالعتاد العسكري.

كانت الحرب جزءاً من الصراع العربي الإسرائيلي، هذا الصراع الذي تضمن العديد من الحروب منذ عام 1948م. في حرب 1967، احتلت إسرائيل مرتفعات الجولان في سوريا في الشمال والضفة الغربية لنهرا لأردن ومدينة القدس وشبه جزيرة سيناء المصرية في الجنوب، ووصلت إلى الضفة الشرقية لقناة السويس.
أمضت إسرائيل السنوات الست التي تلت حرب يونيو في تحصين مراكزها في الجولان وسيناء، وانفقت مبالغ ضخمة لدعم سلسلة من التحصينات على مواقعها في قناة السويس، فيما عرف بخط بارليف.
نشوة الإنتصار ...جندي مصري يقتحم خط بارليف
نشوة الإنتصار ...جندي مصري يقتحم خط بارليف
سمي الخط بذلك الاسم نسبة الي حاييم بارليف القائد العسكري الإسرائيلي ، وقد تكلف بنائه حوالي 500 مليون دولار.
تميز خط برليف بساتر الترابى ذو إرتفاع كبير (من 20 الي 22 متر) كما تميز بوجود 20 نقطة حصينة تسمى دشم علي مسافات تتراوح من 10 الي 12 كم وفي كل نقطة حوالي 15 جندي تنحصر مسئوليتهم علي الإبلاغ عن أي محاولة لعبور القناة و توجيه المدفعية لمكان القوات التي تحاول العبور.
روجت إسرائيل طويلا لهذا الخط علي أنه مستحيل العبور وأنه يستطيع إبادة الجيش المصري إذا ما حاول عبور قناة السويس ، كما أدعت أنه أقوى من خط ماجينوه الذي بناه الفرنسيون في الحرب العالمية .

النصر

يقول حمدى الكنيسى المراسل الحربى خلال الحرب في كتابه "الطوفان": فى أعقاب يونية 1967 أرسل رئيس تحرير مجلة دير شبيجل الألمانية الغربية خطابا إلى السيدة جولدا مائير رئيس وزراء إسرائيل قال فيه بكل إنبهار " إننى يا سيدتى أشعر بالأسف الشديد لأننى أصدرت ملحق المجلة الخاص بالانتصار الإسرائيلى باللغة الألمانية ، إننى سأفرض على المحررين فى دور الصحف التى أملكها أن يتعلموا العبرية ... لغة جيش الدفاع الذى لا يقهر ".
وبعد أيام من حرب أكتوبر تقول دير شبيجل الألمانية الغربية " إن اجتياح المصريين خط بارليف ، جعل الأمة العربية بكاملها تنفض عن نفسها آثار المهانة التى تحملت آلامها منذ 1967" وبهذا حول الجيش المصرى خط بارليف الى أسطورة كاذبة فكما تقول وكالة اليونايتد برس أن تخلى إسرائيل عن خط بارليف الحصين على الضفة الشرقية لقناة السويس يعتبر أسوا نكسة عسكرية أصيبت بها فى تاريخها .

تضحيات عربية

كانت الجزائر من أوائل الدول التي ساعدت المصريين في حرب أكتوبر 1973 و قد شاركت بالفوج الثامن للمشاة الميكانيكية . أيضا تميزت حرب أكتوبر عن غيرها من مظاهر الصراع العربي الصهيوني باستخدام النفط العربي سلاحاً ضاغطاً شديداً فعالاً يسهم مع أدوات الحرب الأخرى في تحقيق الأهداف العربية من القتال . فقد عقدت الدول المنتجة للنفط اجتماعاً في الكويت يوم 17-10-1973 وقرروا تخفيض الإنتاج النفطي لكل دولة عربية مصدرة للنفط بنسبة شهرية لا تقل عن 5% ويستمر التخفيض حتى تفرض المجموعة الدولية على العدو التخلي عن أراضينا المحتلة. ومن أبرز القرارات التوصية بقطع النفط عن الولايات المتحدة الأمريكية لمساندتها للعدو الصهيوني بالأسلحة والأموال.

وكانت صيحة الشيخ زايد : أن البترول العربي ليس أغلى من الدم العربي ملخصا وافيا يختزل في عبارة
واحدة تحليل دور البترول كما وعاه زايد وكما مارسه بالــفعل في عام 1973م.
فمنذ اللحظه الأولى التي اندلع فيها القتال في سيناء والجولان أعلن زايد أن دولة الإمارات العربية المتحدة تقف بكل إمكاناتها مع مصر وسوريا في حرب الشرف من أجل استعادة الأرض المغتصبة.
وعندما تدفق السلاح على الجسر الجوي إلى إسرائيل أوفد زايد وزير البترول الإماراتي إلى مؤتمر وزراء البترول العرب لبحث استخدام البترول في المعركة وأصدر الوزراء قرارهم بخفض الإنتاج بنسبة 5 % كل شهر . . وإذا بزايد يأمر وزير البترول بأن يعلن باسمه فورا قطع البترول نهائيا عن الدول التي تساند إسرائيل، وقطعت الإذاعات العالمية إرسالها لتعلن هذا النبأ فقد كان القرار بداية لمعركة البترول، عندها تلقى زايد التهديدات بأن عليه أن يتحمل تبعات هذا القرار عندها قال زايد: إن الذين قدموا دماءهم في معركة الشرف قد تقدموا الصفوف كلها وأن النفط العربي ليس بأغلى من الدم العربي. وأضاف، إ ننا على استعداد للعودة إلى أكل التمر مرة أخرى فليس هناك فارق زمني كبير بين رفاهية البترول وبين أن نعود إلى أكل التمر.

نهاية الحرب

تدخلت الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأعضاء في مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة وتم إصدار القرار رقم 338 الذي يقضي بوقف جميع الأعمال الحربية بدءا من يوم 22 أكتوبر عام 1973م، وقبلت مصر بالقرار ونفذته اعتبارا من مساء نفس اليوم إلا أن القوات الإسرائيلية خرقت وقف إطلاق النار، فأصدر مجلس الأمن الدولي قرارا آخر يوم 23 أكتوبر يلزم جميع الأطراف بوقف إطلاق النار. وأقر المؤرخون أنه لولا تدخل الولايات المتحدة الأمريكية في إيقاف الحرب الرابعة لكانت إسرائيل قد خسرت الحرب وحصلت أشياء اخرى ربما كانت لتغير من التاريخ فعلاً
هنري كسنجر وزير الخارجية الأمريكية الأسبق
هنري كسنجر وزير الخارجية الأمريكية الأسبق
أكتوبر بعيون صهيونية
ضابط المدرعات الكبير العقيد (أورى بن آرى) مساعد قائد جبهة سيناء في الحرب قال: "فى الساعات الأولى لهجوم الجيش المصرى كان شعورنا مخيفا لأننا كنا نشعر بأننا نزداد صغراً والمصريون يزدادون كبراً والفشل منا سيفتح الطريق إلى تل أبيب"، يوم الأحد 7 أكتوبر خيم على إسرائيل ظل الكآبة ومنذ فجر اليوم المذكور حتى غروب الشمس كان مصير إسرائيل كدولة متوقفاً على قدرة صدها لهجوم مصر وسوريا الذى بدأ السبت السابق خلال 25 عاماً منذ سنة 1948 حتى 1973 لم تتعرض إسرائيل منذ أصبحت دولة مستقلة ذات سيادة لخطر دمار بصورة ملموسة كما حدث فى ذلك اليوم المصيرى.

كان هناك قول دارج في إسرائيل يؤكد أنه بعد حرب أكتوبر كان في كل بيت إسرائيلى إما قتيل أو جريح أو أسير.

في مذكرات موشيه دايان – وزير الدفاع الإسرائيلي أثناء الحرب- والتي منع الرقيب العسكري نشرها آنذاك قال " إننا لا نملك الآن القوة الكافية لإعادة المصريين للخلف عبر قناة السويس مرة آخرى ، مشيدا بالدقة والنجاح التام التي استخدم بهما المصريون الصواريخ المضادة للدبابات والطائرات"، وأضاف أن إسرائيل لو كانت قد استمرت في دفع المصريين عبر القناة لكانت قوتها العسكرية ستصبح شيئا لا يذكر .

في مذكرات دايان يصل أيضا لأن " الأهم بالنسبة للإسرائيليين والعالم الاعتراف بأننا لسنا أقوى من المصريين، وأن حالة التفوق العسكرى الإسرائيلى قد زالت وانتهت إلى الأبد، وبالتالى فإن النظرية التى تؤكد هزيمة العرب (فى ساعات) إذا ما حاربوا إسرائيل فهى خاطئة" ، مؤكدا انتهاء نظرية الأمن الإسرائيلي بالنسبة لسيناء ، وينهى ديان كلامه بالقول "علينا أن نفهم أننا لا يمكننا الاستمرار فى الاعتقاد بأننا القوة الوحيدة العسكرية فى الشرق الأوسط. فإن هناك حقائق جديدة علينا أن نتعايش معها".

وفي كتابها "قصة حياتي" تقول جولدا مائير رئيسة وزراء إسرائيل وقت الحرب : " لا شىء أقسى على نفسى من كتابة ما حدث فى أكتوبر ، فلم يكن ذلك حدثا عسكريا رهيبا فقط ، وانما مأساة عاشت وستعيش معى حتى الموت ، فلقد وجدت نفسى فجأة أمام أعظم تهديد تعرضت له إسرائيل منذ إنشائها . ولم تكن الصدمة فقط فى الطريقة التى كانوا يحاربونا بها .. ولكن أيضا لأن عددا من المعتقدات الأساسية التى آمنا بها قد أنهارت أمامنا ، فلقد آمنا باستحالة وقوع حرب فى شهر أكتوبر ... وآمنا بأننا سوف نتلقى إنذارا مبكرا لكل تحركات المصريين والسوريين قبل نشوب الحرب ، ثم إيماننا المطلق بقدرتنا على منع المصريين من عبور قناة السويس ....إننى استعيد الآن هذه الأيام ..... أنه شىء لا يمكن وصفه.. يكفى أن أقول إننى لم أستطع البكاء ، وكنت أمشى معظم الوقت فى مكتبى وأحيانا أذهب إلى غرفة العمليات ، وكانت هناك اجتماعات متواصلة وتليفونات من أمريكا واخبار مروعة من الجبهة وخسائرنا تمزق قلبى .

وأذكر أنه فى يوم الأحد عاد ديان من الجبهة المصرية ، وطلب مقابلتى على الفور وأخبرنى أن الموقف سىء جدا وانه لابد من اتخاذ موقف الدفاع وان تنسحب القوات الإسرائيلية إلى خط دفاع جديد واستعمت إليه فى فزع ، لقد عبر المصريون القناة.، وفقا لكتاب المراسل الحربي والإذاعي الشهير حمدي الكنيسي " الطوفان".

حائر أنا ..حيرتى بالغة .. كيف حدث هذا لجيشنا الذى لا يقهر وصاحب اليد الطولى والتجربة العريضة ؟ كيف وجدنا أنفسنا فى هذا الموقف المخجل ؟ أين ضاعت سرعة حركة جيشنا وتأهبه الدائم ؟ ـ من مذكرات عساف ياجورى أشهر أسير إسرائيلى .
ديان :
ديان :" إننا لا نملك الآن القوة الكافية لإعادة المصريين للخلف عبر قناة السويس "
هاريل أحد الناجين

نشرت جريدة القدس العربي ترجمة لحوار بين ايفي ماشليس ويوسي هاريل وهو أحد الناجين من قذائف يوم كيبور ، ومنها نقرأ... " مضى 25 عاما ، لكن هاريل ، 50 عاما بلحيته الرمادية ونظارته الكبيرة وطاقيته المحبوكة ، يتذكر بداية الحرب كما لو أنها البارحة. يجلس بوكالته اليهودية المتواضعة لمكتب إسرائيل كمدير لوحدة التعليم الثقافى واليهودى والاولبانيم ـ دراسة مكثفة للعبرية ـ ، يقص هاريل قصة البطولة والتصميم والطاليت ( شال الصلاة) الذى ساعد فى إنقاذ وحدة ممزقة ضلت فى صحراء سيناء.
عندما بدأت الحرب كان معظم الإسرائيليين بالمنزل أو المعبد يوم 6 أكتوبر 1973 . عندما بدأت الضربة الأولى ، كان هاريل على خط الجبهة كسرجنت بموقع على قناة السويس كان يعرف بخط بارليف المقابل لمصر.

هاريل طالب الجامعة حينئذ ، وواحد من 436 جندى بخط بارليف على طول القناة بطول 110 ميل . كان هناك ثلاث دبابات وسبع بطاريات مدفعية فقط على الجانب الإسرائيلى والتى كانت ستواجه ألاف من القوات وقطع المدفعية ودبابات الصواريخ المصرية.
وحدته الاحتياطية كتيبة 68 مشاة استدعت للخدمة قبل عيد رأس السنة اليهودية ( روش هاشاناة) .
كان الجنود بمواقع خط بارليف يتابعون التحركات على الجانب المصرى ، ارسلت الكتيبة 68 عدة تقاريرعن حركات ميكانيكية ومشاهد لقوات مصرية يشتبه أنهم يلبسون الخوذ .
يوم كيبور بدأ ليلة الجمعة ، اقام المجندين صلاة كل النذور ـ صلاة يهودية ( كل ندر ) .
بعد الظهر بينما يستريح الجنود أثناء الصيام الطويل ، القى قائد المجموعة خطبة بصالة الطعام . أن تقارير المخابرات حذرت من إمكانية القصف المصرى لاحقا خلال اليوم . وقبل أن ينهى قائد المجموعة الخطبة ، وابل من القذائف بدأ على موقع ميلانو.

يتذكر ويقول ( لقد كان مشهد حرب ، القوارب المطاطية تحمل الجنود المصريين وتعبر القناة . مئات من القوات المصرية كانت تتدفق )ـ ثم استمعنا إلى الراديو الذى أوضح أن إسرائيل تحت الهجوم الشامل
يقول هاريل ( لا تنسى أن ثقة إسرائيل كان فى قمتها فى ذلك الوقت ) متذكرا الفخر الوطنى بعد حرب الأيام الستة عام ـ 1967 عندما هزمت إسرائيل الجيوش العربية بسرعة الضوء . يتابع ويقول ( كنا متأكدين أنه خلال دقائق سوف تأتى القوات الجوية وتسحق المصريين)ـ

ولكن بدلا من هذا ، شاهد هاريل عدد من الطائرات الإسرائيلية تأتى وتسقط . أثناء ذلك بدأ هاريل وقائد المجموعة بفتح النار على بعض الطوافات واغرقوا عدد منها ولكن فشلنا فى عمل رد فعل مرعب للتحركات الضخمة للقوات المصرية عبر قناة السويس . سقطت قذيفة واصابت شظاياها وجه الظابط وكوع هاريل .
كان عليهم ترك جثث أصدقائهم خلفا والسير على الأقدام ، كانت مجموعة هاريل تلعب القط والفأر ليلا مع الجيش المصرى . كانوا 30000 مصرى منتشرين على الجانب الإسرائيلى..." هكذا تحدث مع الصحيفة.

أما إسحق رابين رئيس الوزراء الذي خلف جولدا مائير فيقول: "لقد تعرضنا لنقص فى الوسائل التى تكفل استمرار القتال وكان الجسر الجوى الذى أقامته الولايات المتحدة لنقل الأسلحة إلى إسرائيل أضخم جسر من نوعه فى التاريخ وأكبر حتى من عتملية الانقاذ التى تمت بالنسبة إلى برلين والمؤكد أنه بدون هذا الجسر لم يكن باستطاعتنا أن نستمر فى القتال".

أسرار عن حرب أكتوبر

لولا الولايات المتحدة لأفقدت مصر الإسرائيليين أكثر من ثمانين فى المائة من طائراتهم .. هذه إحدى الحقائق التى أذيعت مؤخرا ففى اليوم الرابع من الحرب – يوم 9 أكتوبر – تقدم جنرال الجو "بيليد" بخطة عرضها على رئاسة أركان القوات الإسرائيلية، وكانت تلك الخطة موجهة ضد مصر، فعلى الفور اجتمع كل قادة إسرائيل فى مكتب جولدا مائير رئيسة الوزراء الإسرائيلية آنذاك ووافقوا على تنفيذها لأنها كانت تهدف إلى الهجوم على العمق المصرى بكل طائرات سلاح الجو الإسرائيلى وذلك فى هجمة واحدة فقط تستهدف ضرب الكيان الاقتصادى والصناعى بجانب الهجوم على تجمعات مدنية ومراكز صناعية بجانب المناطق العسكرية...ولكن الغريب أن هذه العملية ألغيت قبيل دقائق من ساعة الصفر المقررة لها "الخامسة من صباح العاشر من أكتوبر"، وكان الإلغاء بقرار من مكتب رئيسة الوزراء أثناء اجتماعها مع موشى ديان ودافيد إليعازر رئيس الأركان وعقب اجتماعها مع "كينيث كيتنج" سفير أمريكا فى إسرائيل آنذاك، وكان سبب الإلغاء معلومات سرية مزودة بصور التقطتها أقمار التجسس الأمريكية تؤكد استعداد وقدرة القوات المصرية على صد ومواجهة تلك العملية..

شارون يساهم بخسارة إسرائيل !!

مع بداية حرب أكتوبر تحتم على شارون العودة للجيش بعد أن كان قد استقال منه وتحت قيادة الجنرال "شمويل جونين" ومنذ اللحظة الأولى اختلف شارون مع رئيسه "جونين" واشتد الخلاف بينهما حتى انهار جونين وأصيب بحالة اكتئاب.
من جهة أخرى قام شارون بثلاث هجمات مضادة ضد القوات المصرية إنتهت كلها بهزائم متتالية لقواته، واحتلال القوات المصرية لمقر قيادته المتقدمة، ومركز قيادة وسط سيناء فى تل "كاتب الخيل".
حادثة ثالثة ، حيث أنه بعد هذه الهزائم أصدر شارون أوامره بهجوم مركز مضاد بالمدرعات والدبابات ضد القوات المصرية فى الضفة الشرقية للقناة وبخاصة فى منطقة القنطرة شرق، وهو ما تسبب فى تلقى إسرائيل هزيمة ساحقة فى هذا الهجوم الذى انتهى بتدمير كل اللواء رقم 190 وأسر قائده "عساف ياجورى".

وبعد هذه الهزيمة الساحقة أقيل الجنرال جونين من منصبه كقائد للجبهة، وأسندت المهمة لحاييم بارليف.. وتحت ضغط مستمر من شارون أمر بارليف بشن سلسلة من الهجمات المضادة فى محاولة لقطع القوات المصرية، والوصول إلى الضفة الشرقية للقناة، وانتهت كل هذه الهجمات بالفشل، وبتدمير القوات الإسرائيلية بدرجة لم تشهدها إسرائيل من قبل وأيضا بأسر عددا كبيرا من ضباط وجنود إسرائيل. وبناءا على ذلك أمر شارون بالتوقف واتخاذ المواقف الدفاعية بدلا من سلسلة الهجمات الفاشلة.

وعن عملية "الثغرة" أو المغامرة التى كلفت إسرائيل ثمنا باهظا من الرجال والعتاد.. أكدت القيادة العليا الإسرائيلية أنها قد أصدرت أوامرها ثلاث مرات متتالية بالإنسحاب من "الجيب" الإسرائيلى فى غرب القناة وذلك بسبب الخسائر الفادحة الناتجة عن مغامرة الجنرال شارون الذى قام بدوره بتجاهل هذه الأمر!! وأكدت شهادة بعض العسكريين الذين شاركوا فى تلك المغامرة وذلك أمام لجنة "اجرانات" أن منطقة عبور القوات الإسرائيلية "الثغرة" كانت أشبه بجهنم، فالمصريين كانوا يدمرون كل شئ يتحرك من الجانب الإسرائيلى، وكان الجنود الإسرائيليون فى هذه المنطقة هدفا سهلا للمدفعية المصرية، كما كانوا هدفا واضحا للطائرات المصرية القاذفة والمقاتلة.

شهادات حية

كان موقع "لطوف" أحد 16 موقعا حصينا تشكل خط بارليف ولعله كان أهم هذه المواقع فهو يقع عند جنوب القناة (الكيلو 135) عند نقطة التقاء البحيرة المرة الصغرى بقناة السويس وهو يمتد لنحو كيلو متر وينقسم في الواقع لموقعين "لطوف أ" و"لطوف ب "، ومع هذا فوجئ مثل غيره من المواقع بعبور المصريين لقناة السويس دون مضايقة تذكر وسقوط عدد كبير من الإسرائيليين قتلى.

ووفق ما نشرته صحيفة "معاريف" الإسرائيلية نستمع لمجند إسرائيلي يقول : "اسمي شلومو شاحوري وكنت انتمي للكتيبة 68 في اللواء الأورشليمي والذي كان جنوده يشغلون أغلب مواقع خط بارليف الحصين عند اندلاع الحرب وصلت موقع "لطوف" يوم الثلاثاء السابق للحرب أرسلني قائد الموقع لـ "لطوف بو" الذي كان مخصصا بشكل أساسي لأعمال المراقبة نهارا والتي عند انتهائها يعود الجنود الإسرائيليون للموقع الرئيسي،وبالفعل رأيت بالنظارة المعظمة قائد كتيبة مصرية يشبه أنور السادات بدرجة مذهلة وهو يوجه جنوده ويرشدهم بحزم لطريقة الهجوم،أبلغت قادتي بأنهم يستعدون لاحتلال موقع "لطوف"، لكني من داخلي كنت لا أصدق ان الحرب ستندلع بالفعل.

ويلتقط خيط الحديث "بني فينشتين" حيث قال: "لم يحذرنا أحد فوجئنا تماما على الرغم من إننا لاحظنا قبل اندلاع الحرب بعشرة أيام تحركات،لكن عندما ابلغنا المخابرات العسكرية بها سخروا منا وقالوا : هل أنتم واثقون أنها دبابات وليست مدافع، كيف عرفتم أنها دبابات؟".

وفي الاطار نفسه قال شحوري قائد الموقع: "لم نعلن حالة الاستعداد لتلقى هجمات الا في الواحدة و النصف ظهرا ولم يلتزم بذلك عدد من الجنود وظلوا يسخرون مني ويرفضون الدخول للتحصينات حتى بدأ قصف المدفعية ولم أر أحدا ممن كانوا يجادلوني بعد ذلك".

وكما كتب أحد المحاربين, مردخاي هيرشكوفتش: "نحن جيل من الجنود الوطنيين الأبرياء الذين تربوا على الوهم بأن الجنود المصريين مسطولون يضللهم قادتهم. عشنا خديعة فظيعة".

كتب إسرائيلية

صحيفة "يديعوت أحرونوت" اختارت أن تتذكر حرب أكتوبر هذا العام بكتابين جديدين ، أحدهما أعده "هيرشكوفتش", عن تجربته الشخصية في هذه الحرب. والثاني أعده جندي آخر هو "معوزيا سيجال", كان قد أصيب بالجراح قبل أن تبدأ المعارك في المزرعة الصينية, وبذلك نجا من القتال الضاري. لكنه من كثرة ما سمع عن مصائب تلك المعارك قرر أن يتوجه الى عدد من المحاربين فيها, وقد وصل الى ثلاثمئة مقاتل من الناجين وسجل شهاداتهم.

الصحفيان اللذان استعرضا الكتابين, جدعون ميرون, وعوديد شالوم, يقولان أن ما قرآه فيهما يبدو مرعباً ويثير الغضب العارم لأن الجنود, في الكتابين يظهران الحقيقة التي طالما أخفيت عن حقيقة الجندي المصري كونه مقاتلاً ذكياً وحكيماً وشجاعاً ومدرباً, مقاتلا يتقن فن القتال, بالضبط على عكس ما صوره القادة لهم.

ويضم الكتابان مئات الشهادات التي تؤكد تلك الاعترافات, ومن شهادات الجنود يتضح أن الجنود المصريين الذين احتلوا المواقع تصرفوا كما لو أنهم هم الذين بنوها، وصدوا كل المحاولات لاحتلالها من 7 وحتى 17 أكتوبر ,1973 اليوم تلو الآخر، ويروي هؤلاء الجنود كيف أن جنود الاحتياط الذين أصيبوا بالجراح طلبوا منهم أن يتراجعوا ويتمردوا على القيادة لأن دخولهم المنطقة يعني الانتحار.

أما بنحاس ابير "وزير مالية إسرائيل" يوم السابع من أكتوبر كان واضحا تماماً أن الهزيمة العسكرية لإسرائيل على وشك الحدوث مما يترتب عليه ليس الاحتلال لإسرائيل ولا فقدان استقلالها بل محو الشعب الإسرائيلى ودولته.

آلة الإعلام المضللة .. بكتاب

كتاب "المحدال" أو "التقصير" بالعربية ، كتبه سبعة صحفيين ومعلقين عسكريين صهاينة الفكر وفى مقدمة كتابهم قدروا البحث عن الحقيقة وكشف الأخطاء لقد كشفوا فى كتابهم الكذب الذى كان يصدر من آلة الدعاية الإسرائيلية التى تعمل بدون كلل لنشر أخبار وبيانات ملفقة خلال الحرب ؛ فهى تقوم بتضخيم الذات الإسرائيلية وكذلك التشهير الإعلامى الظالم للشعوب العربية ... آلة الدعاية الإسرائيلية تتبع المقولة المعروفة "إذا كنت تريد أن تقتل شخصاً ولاتستطيع عليه رصاصة تطلق عليه إشاعه".

صباح الأحد 7 أكتوبر خلال ساعات هذه المحنة لإسرائيل كانت عناوين صحف إسرائيل: "الجيش الإسرائيلى يصد العدو ـ الجيش الإسرآئيلى على وشك الانتقال إلى الهجوم المضاد ـ الجيش الإسرائيلى يتوغل فى سيناء - جولدامائير تقول الجيش الإسرائيلى لم يفاجأ وهو الآن مستعد للهجوم - موشى ديان وزير الدفاع يقول سنضرب المصريين ضربا مبرحا - رئيس الأركان يقول سنكسر عظامهم على لحومهم"، وهذه التصريحات وغيرها كانت العناوين الرئيسية للصحافة الإسرائيلية بعرض صحيفة بكاملها مثل صحف دافار ويديعوت احرينوت وها آرتس وغيرها!!

ووفق الكتاب أيضا ، فى القاهرة كان الناطق العسكرى المصرى يذيع بيانات تطابق الواقع كثيراً وكان المراسلون الأجانب اللذين وفدوا من خارج إسرائيل يرسلون بتقاريرهم لصحفهم قائلين أن إسرائيل تخفى الحقيقة وأنهم لايثقون فى بلاغات إسرائيل العسكرية وقد منعوا من الذهاب إلى جبهة القتال.

منذ ما يزيد على القرن قال الفيلسوف الألمانى الشهير: "حقا إن اليهود كذابون"، هذا وعلى القارئ أن يتذكر عندما جاء مناحم بيجين إلى القاهرة لمقابلة السادات قام بزيارة الهرم الأكبر وقال للصحفيين أنه: "يفخر بأن أجداده هم اللذين بنوا الهرم الأكبر"، وللعلم فإن الهرم الأكبر تاريخياً بنى قبل ظهور موسى – عليه السلام- بحوالى ألف وخمسمائة عام.

أدباء عبريون

ترى الأديبة الإسرائيلية عينات كوهين أن حرب أكتوبر، كانت نقطة تحول درامية مباغتة، ومذهلة، وكأنها مأخوذة من حبكة مميزة في الأعمال الأدبية، فقد كانت حرب أكتوبر بحسب رؤية هذه الأديبة زلزالاً حقيقياً هز أركان المجتمع الإسرائيلى، لكنه كان زلزالاً متوقعا.

وتقول عينات وفقاً للكاتب محمد عبود في جريدة "العربي الناصري": "كم من الوقت يستطيع إنسان، أو شعب أن يجلس ليتثاءب ويسخر من عدوه، ويستهزئ به، كم من الوقت كان من الممكن أن يعيش المجتمع الإسرائيلى بموجب مبدأ أنا ومن بعدى الطوفان. لقد كانت حرب أكتوبر ردا حادا وقاسيا على الشعور بالتفوق واحتقار الآخر، الذى ملأ صدورنا بعد حرب 67 الانتصار المبهر فى 67، الذى بدا وكأنه سيناريو سينمائى مأخوذ من أفضل أفلام هوليوود، لم يكن سيناريو صادقا، ولا أمينا، لقد أعمى عيوننا، ونفخ صدورنا، وعطل حواسنا، فلم نفق من سكرة الانتصار التى سيطرت علينا بعد هذه الحرب العجيبة، التى استمرت ستة أيام، وأسفرت عن تغيير دراماتيكى فى الخريطة الجيوبوليتية للمنطقة، وفى العقلية الإسرائيلية فى ذات الوقت.

رواية "نار"، وثائقية ، كتبها الأديب الإسرائيلى الشهير يوفال نريا، الذى فضل أن يكتب على غلافها الخارجى : "كثير من الأحداث التى وردت بين ضفتى هذا الكتاب حدثت فى الواقع كما هى، لكن جميع الشخصيات من وحى خيال المؤلف".

بطل الرواية يائير نائب قائد الوحدة العسكرية وفقاً لعبود في جريدة "العربي" أخذ يلوم نفسه وهو طريح الفراش فى المستشفى العسكرى: لقد كنت أعرف أن الحرب ستقوم، كنت واثقا، وعامير أيضا كان واثقا، لكنى لم أمتلك الشجاعة، لأذهب إلى قادتى ورؤسائى، إلى رئيس الأركان إذا استلزم الأمر، وأن أكلمهم جميعا، إذا استلزم الأمر، وأقول لهم أنتم عميان، وطرشان، الحرب تدق الأبواب، لكنى لم أذهب، ولم أصرخ بأعلى صوتى، ولم أنبس ببنت شفة، ومع ذلك مازلت على قيد الحياة، سأظل أحمل الذنب مثل قابيل، ولن يسعفنى أى شيء فى هذا العالم. لقد كان الشعور بالذنب هو أقوى المشاعر التى سيطرت على المقاتل الإسرائيلى، الجنود والضباط الذين نجوا من هذه الحرب على حد سواء.

وهناك روايتان مهمتان أيضا حسبما ذكرت "العربي" تلعب فيها حرب أكتوبر دورا محوريا، رواية "العاشق " للأديب أ.ب. يهوشواع ، ورواية "بيت شخص آخر" لإسحاق أورباز، ورواية "ريش" لحاييم بئير التى تحكى قصة الصداقة المتينة التى تجمع بين طفل، ورجل غريب الأطوار، ويقال إنه مجنون يدعى مردخاى لادر. الصداقة تنشأ بينهما فى القدس بالخمسينات، على الرغم من معارضة والدى الطفل. ولكن الطفل أصبح كاتم أسرار مردخاى لادر الذى يحلم بتكوين جيش يوزع الغذاء. وهو حلم مستوحى من فكرة لفيلسوف يهودى نمساوى يدعى جوزيف بوبار، الذى سعى للتمييز بين الاحتياجات الأساسية للإنسان، وبين الكماليات، وطالب أن تتولى الدولة توزيع الغذاء على الأفراد، وأن يتولى المهمة جيش نظامى تشرف عليه. لكن الصلة بين الطفل ولادر تنقطع عندما يدخل مستشفى للعلاج النفسى بسبب فكرته العجيبة، ولا يكف الطفل الفضولى عن البحث عن لادر.

ويهتم كذلك بمعرفة ما حدث لصديقه فى آخر حياته، خاصة أن شائعة انتشرت فى القدس تقول إنه تزوج من فتاة يمنية الأصل، وأنجب منها طفلا. وعند انتهاء حرب أكتوبر، وبعد عشرين عاما، وفى هذه الظروف المأساوية تأكدت الشائعة. والقصة كلها، تدور على خلفية أن الطفل الصغير كبر، وصار جنديا فى الحاخامية العليا بالجيش، وكلف هو ورفاقه بمهمة جمع رفات الجنود الإسرائيليين من الضفة الشرقية للقناة. أثناء محادثات فصل القوات التى دارت بين مصر وإسرائيل عند الكيلو 101 وواصل جنود الحاخامية بحثهم عن المفقودين نهارا، والقيام ليلا فزعا من الكوابيس.

وقام الراوى وزميله بانتشال جثة القتيل من المياه، وصورته ستبقى مطبوعة فى ذاكرتهم للأبد، بطنه مبقورة، وساقاه متهرئتان، لكن خصلات الشعر التى تتدلى على وجهه الأسمر، تنطق بالحياة. ريش ص 247. وعندها يتبين للراوى أن القتيل هو ابن صديقه القديم مردخاى لادر، وينسدل الستار على الشائعة التى تقول إن لادر أنجب طفلا قبل أن يصاب بلوثة عقلية ويختفى من القدس فى ال 50 هذا الابن سجل نفسه فى السجلات العسكرية باسم جوزيف بوبار لادر، لكن أمه غيرت اسمه إلى يوسف شيلح، قتل كما هو متوقع على شاحنة نقل عسكرية، تنقل الغذاء، ليكون آخر دليل على فكرة جيش الغذاء النظامى الذى دعا أبوه إليه. وبوفاة الابن ماتت الفكرة، وتلاشت السلالة.

لكن الراوى يؤكد أنه مات بلا داعى، كان من الممكن إنقاذه، لقد نزل إلى حقل ألغام بحرى، دون أن يراعى الأوامر العسكرية، لقد ورث الجنون عن أبيه، شأنه شأن دولة إسرائيل كلها، التى كانت تعلم أن حرب أكتوبر 73 كانت حربا حتمية، ولكنها رفضت كل المبادرات، وأصرت على المشى فوق الألغام بإرادتها الكاملة.
أين أدب حرب أكتوبر العربي؟
أربعة وثلاثون عاماً مرت على حرب أكتوبر المجيدة .. والسؤال يتكرر كل عام : لماذا لم تعرف المكتبة العربية عملاً إبداعياً يتناسب وضخامة هذه الحرب التى أعادت إلى المواطن العربى كرامته وقضت على أسطورة الجيش الذى لا يقهر، وغيرت الكثير من المفاهيم العسكرية التى كانت سائدة وقتها.


النقاد رددوا أن هناك ندرة في الإبداع الروائي وعلاقته بحرب أكتوبر، وأن ما انتج من أعمال لا يرقى إلي مستوى الفن الحقيقي ... وعند ذلك تقام مقارنة ظالمة بين هذه الأعمال والأعمال الكبرى في الآداب الأجنبية كـ " الحرب والسلام " لتولستوي و " وداعاً للسلاح " لهمنجواي و" والدون الهادئ " لشولوخوف و" الأمل " لمارلو و" أفول القمر " لشتاينبك وغيرها .

رواية الحرب المفقودة

يقول د . محمد عبد الحليم غنيم أن بعض الأعمال علي مستوى الحدث الكبير غير أن ثمة ملابسات وأسباب كانت وراء عدم استغلال الحرب الاستغلال الذي تستحقه في الأعمال الروائية منها: أن كبار الكتاب كنجيب محفوظ وتوفيق الحكيم ويوسف إدريس لم يكتبوا عن هذه الحرب سوى ردود أفعال وقتية ظهرت في صورة مقالات قصيرة، وبهذه المناسبة كان توفيق الحكيم صاحب مصطلح "عبرنا الهزيمة"، ومن ضمن الأسباب تدخل المؤسسة الرسمية بدعمها لهذه الأعمال عبر تقديم جوائز ونشر هذه العمال في سلسلة " أدب الحرب "، إن تدخل المؤسسة الرسمية أو الحكومية جعل الكتابة عن أكتوبر كتابة مناسبات، أيضا اللغط الذي أثير حول حرب أكتوبر نفسها، وقد كثُر هذا اللغط بعد معاهدة السلام مع إسرائيل، فقيل أن الحرب أجهضت وأن النصر منقوص.

هناك أعمال جيدة ومعبرة عن الحرب مثل " الرفاعي " لجمال الغيطاني ، و" الحرب في بر مصر " ليوسف القعيد و" نوبة رجوع " لمحمود الورداني و " أنشودة الأيام الآتية " لمحمد عبد الله الهادي و"السمان يهاجر شرقاً " للسيد نجم.

ومن الكتاب العرب " المرصد " لحنا مينا و" رفقة السلاح والقدر " لمبارك ربيع وغيرها ، لكن مازلنا نفتقر إلي ملحمة مثل "الحرب والسلام" لتولستوي.

أما الأديب يوسف القعيد صاحب العديد من الأعمال التى تناولت حرب أكتوبر منها "الحرب فى بر مصر" و"فى الإسبوع سبعة أيام" و"تجفيف الدموع" و"حكايات الزمن الجريح" و"أطلال النهار" يحلل هذه الظاهرة قائلا: لكى يكون هناك عمل كبير عن حرب أكتوبر، لابد أن يكون الكاتب عايش الحدث، لأن الحرب والسجن لابد للكتابة عنهما أن يكون الكاتب قد مر بهذه التجربة، فالحرب لاتحدث كل يوم، ومفرداتها الاجتماعية تدور فى ميادين المعركة بعيدا.. حتى من قرأ عن الحرب، لم يكتب أدبا جيدا.. لأنه لابد أن يكتب عن تجربة الحرب مقاتل دخل الحرب..

وأنا أثناء أكتوبر كنت مجندا فى مستشفي، لهذا لم أكتب عن المعركة ذاتها، لكن عما حدث من تداعيات فى نفوس الجنود، والناس عامة، فكتبت عن الجنود باعتبارهم بشرا عاديين، فى وقت كان الإعلام المصري، يتعامل معهم على أنهم أبطال.

أما الأديب إبراهيم أصلان فيري أن الظروف التى عاشتها المنطقة بعد أكتوبر كامب ديفيد والسلام والانفتاح، سلبت كثيرا من تأثير الحرب العظيمة، وحولتها لظرف عارض، لم يتحول لقيمة دائمة، وحدت من قدرة المبدعين على عبور مشاعر الخذلان العام التى حدثت بعد النكسة.

أما الناقد د.صلاح فضل فيقول فرأى أن الحرب لم تنته بعد وأكتوبر فصلا من عدد من المعارك بدأت عام 1948 ووصلت لقمة مأساتها في 1967 وتعدلت أوضاعها في 1973 ولكن الصلف الإسرائيلي المتعنت مازال يجسم على الأرض العربية، فى فلسطين والجولان ومازال يرفض الاعتراف بحقوق العرب المشروعة.

أسماء كثيرة قدمت قصصا هامة وروايات ، نذكر من بينها: جمال الغيطاني، محمود الورداني، فتحي إمبابي، شحاتة عزيز جرجس، معصوم مرزوق ( شجر الصبار)، سمير الفيل( رجال وشظايا)، محمد النحاس ( الخريف الدامي)، السيد الجندي ( سبع جبات من الرمال)، السيد عبد العزيز نجم ، ( يوميات مقاتل قديم)، بهي الدين عوض (سنوات الحب والموت)، محمد السيد سالم( يوميات على جدار الصمت)، فوزي البارودي (عندما تشتعل النجوم)، وقاسم مسعد عليوة ( حدود الاستطاعة). وهناك أيضا ، محمود المنسي، إبراهيم العشري، عصام راسم فهمي ، سمير رمزي المنزلاوي، عبد الحميد بسيوني عبد الحميد، مجيد سكرانة، أحمد ربيع الأسواني، سعد الدين حسن، مأمون الحجاجي ، حسن علبة، وأسماء أخرى كثيرة .

وتجب الإشارة أن الأدب السردي الذي تعامل مع الحدث موجود، لكنه إما مخبوء تماما، وإما مسكوت عنه، كما أوضح القاص سمير الفيل.

أجرت الباحثة وداد عبد الفتاح خليفة بجامعة الأزهر دراسة تحت عنوان "أثر حرب أكتوبر علي الاتجاه التعبيري في أدب اهارون ميجيد وجمال الغيطاني"، ونالت عنها درجة الدكتوراه بمرتبة الشرف الاولي.
قامت من خلالها - كما أشارت مني نور - برصد تأثيرات هذه الحرب علي الساحتين الأدبيتين الإسرائيلية والعربية من خلال بعض أعمال كل من اهارون ميجيد وجمال الغيطاني ، الذين يعتبر كل منهما نموذجا لأبناء جيله من الأدباء الذين عايشوا وتأثروا وعبروا عن أدبهم عن تلك الحرب.
وقد اختارت الباحثة لكل من الأديبين محل الدراسة روايتين إحداهما كتبت علي خلفية حرب 1967 والأخري كتبت علي خلفية حرب اكتوبر 1973، وتوصلت إلى أن الغيطاني امتاز عن ميجيد بغلبة الموهبة، كما أوضحت أن الأدب العبري قبل حرب أكتوبر قد لعب دورا هاما وأساسيا في نشأة دولة إسرائيل، حيث استخدمته الصهيونية السياسية علي أوسع نطاق في خدمة حملاتها الدعوية وخدمة حملاتها السياسية والعسكرية .
أما الأدب العربي فان موقفه لم يكن علي المستوي المطلوب كما وكيفا تجاه الخطر الصهيوني، ولم يكن يزيد علي كونه موقفا عاطفيا يتسم بسب اليهود واستثارة العرب وتذكيرهم بأمجادهم الماضية أو بالبكاء والنحيب.

لا يوجد "أدب حرب" فى الإبداع العربى .. هكذا يقرر الروائى خيرى شلبى الذى يستثنى فقط السير الشعبية، فإبداعنا الحديث والمعاصر لم يعرف أدب الحرب رغم أننا خضنا ضد إسرائيل عدة حروب كبيرة فى 48 ، 56، 67، 1973، وقبل ذلك كانت مصر تحت الاحتلال الفرنسى ثم الإنجليزى .. لكن كل ذلك لم يطرح ما يمكن اعتباره أدب حرب.

يقول قاسم مسعد عليوه الأدباء لم يخونوا حرب أكتوبر .. هذا كلام غير صحيح بالمرة، يمكن القول بأن الحماس قد فتر، أما الاتهام بالخيانة فهو اتهام باطل من أساسه، وهناك أسماء كتيبة من الذين عايشوا هذا الحرب وتحمموا بنيرانها وقدموا إبداعات.. لينظر النقاد إلى إبداعاتهم وليقولوا فيها رأيهم بدلاً من سباتهم الدائم ويقظاتهم الموسمية، فليعرضوا على الساحة الأدبية آراءهم فيما أبدعه كل من : جمال الغيطانى، فؤاد حجازى، يوسف القعيد، محمد الراوى، إبراهيم عبد المجيد، رجب سعد السيد، محمود الوردانى، محمد عبد الله عيسى، محمد المنسى قنديل، أحمد ماضى، عصام دراز، أحمد عنتر مصطفى،حسن النجار، صبرى أبو علم، عبد العزيز موافى، نصار عبد الله، أحمد عجمى، وأحمد الحوتى، وبهاء السيد، وكاتب هذه السطور. وقد انضم إلى هذه الكتيبة نفر غير قليل ممن تأثروا بهذه الحرب ومنجزاتها. منهم: سعيد سالم، أحمد ربيع الأسوانى، سمير الفيل، شوقى عبد الحميد، نجلاء علام .. وغيرهم كثير.. ومع هذا فإن الحماس بعد ثلاثين عاما قد فتر .

شعر الحرب

الشاعر محمود نسيم يفرق أولاً بين الصراع مع إسرائيل، والحرب مع إسرائيل، ففى إطار الصراع هناك شعر كثير، بالعكس هناك شاعر كامل مثل محمود درويش ظهر وتكون ونما فى ظل هذا الصراع وكتب تجربته الرئيسية فى إطاره، وهناك أيضاً سعد الله ونوس فى المسرح.
على مستوى الحرب، هناك نمو شعرى حدث فى إطار تجربة الحرب، أمل دنقل مثلاً تجربته الشعرية تمت أساساً فى هذه المرحلة - مرحلة الحروب مع إسرائيل - وظنى أنه كان شاعراً محرضاً على الحرب، لكن عندما جاءت الحرب، لم يكن هناك شعر .. وهذه مفارقة كبيرة.
يقول أمل دنقل برائعته "البكاء بين يدي زرقاء اليمامة" عن نكسة 67
يقول
" عيد بأي حال عدت يا عيد؟
بما مضى؟ أم لأرض فيك تهويد؟
ونامت نواطير مصر عن عساكرها
وحاربت بدلا منها الأناشيد!
ناديت: يا نيل هل تجري المياه دما
لكي تفيض، ويصحو الأهل أن نودوا ؟
عيد بأي حال عدت يا عيد؟
( حزيران 1968)

أما صلاح عبد الصبور فكتب مخاطبا أول جندي يرفع العلم المصري في سيناء

تملّيناك، حين أهلَّ فوق الشاشة البيضاء،
وجهك يلثم العلما
وترفعه يداك،
لكي يحلق في مدار الشمس،
حر الوجه مقتحما
ولكن كان هذا الوجه يظهر، ثم يستخفي .
ولم ألمح سوي بسمتك الزهراء والعينين
ولم تعلن لنا الشاشة نعتا لك أو اسما
ولكن، كيف كان اسم هنالك يحتويك ؟
وأنت في لحظتك العظمي
تحولت إلي معني، كمعني الحب، معني الخير، معني النور، معني القدرة الأسمي.
تراك،
وأنت في ساح الخلود، وبين ظل الله والأملاك
تراك، وأنت تصنع آية، وتخط تاريخا
تراك، وأنت أقرب ما تكون
إلي مدار الشمس والأفلاك
تراك ذكرتني،
وذكرت أمثالي من الفانين والبسطاء
وكان عذابهم هو حب هذا العلم الهائم في الأنواء
وخوف أن يمر العمر، لم يرجع إلي وكره
وها هو عاد يخفق في مدي الأجواء.
فهل، باسمي وباسمهمو لثمت النسج محتشدا
وهل باسمي وباسمهمو مددت إلي الخيوط يدا
وهل باسمي وباسمهمو ارتعشت بهزة الفرح
وأنت تراه يعلو الأفق متئدا
وهل باسمي وباسمهمو همست بسورة الفتح
وأجنحة الملائك حوله لم تحصها عددا
وأنت ترده للشمس خدنا باقيا .. أبدا
هنيهات من التحديق،
حالت صورة الأشياء في العينين
وأضحي ظلك المرسوم منبهما
رأيتك جذع جميز علي ترعة
رأيتك قطعة من صخرة الأهرام منتزعة
رأيتك حائطا من جانب القلعة
رأيتك دفقة من ماء نهر النيل
وقد وقفت علي قدمين
لترفع في المدي علما
يحلق في مدار الشمس،
حر الوجه مبتسما.
(9 أكتوبر 1973)

وحين قامت حرب أكتوبر 73.. كتب أحمد فؤاد نجم عدداً من القصائد التي تمجد النصر وتحيي أبناء الفلاحين الذين انتزعوه.. حيث كتب: ضليلة فوق رأس الشهيد، منشور علني رقم واحد، دولامين، عطشان يا صبايا.

ويقول في ضليلة فوق رأس الشهيد"

خبر بالنكته لوجيا
و الحداقه و التكنولوجيا
و التاريخ
هجم الزناتي ع الخواجه
و لبسه العمه بصاروخ
"جود" عليوة
"باد"مائير
كل عام فانتوم بخير
(وكالات الأخبار و الصحفيين 6 اكتوبر 1973

مؤلفات عن حرب أكتوبر

مائة كتاب عن حرب أكتوبر تأليف ماهر الكيالي وماجد نعمة، "حرب أكتوبر" تأليف سعد الدين الشاذلي

"الشرارة: قصة حرب أكتوبر 1973 " ترجمة، تحقيق: أنطوان بطرس، "ستة أكتوبر في الاستراتيجية العالمية" تأليف جمال حمدان.

"حرب رمضان الجولة العربية الإسرائيلية الرابعة" حسن البدرى ، طه المجدوب والعميد ضياء الدين زهدى، "حرب أكتوبر في محكمة التاريخ" عبد العظيم رمضان، "وثائق حرب أكتوبر" بقلم موسي صبري .

"حرب أكتوبر عام 1973 دراسة ودروس" محمد فوزي، "مذكرات الجمسي حرب أكتوبر 1973" مشير محمد عبد الغنى الجمسى، "حرب أكتوبر والمفاجأة الاستراتيجية" تأليف عبد القادر ياسين.

عن مركز الأهرام للترجمة والنشر، 1993صدر كتاب "أكتوبر 1973، السلاح والسياسة" للكاتب محمد حسنين هيكل في 883 صفحة، والكتاب هو الجزء الرابع من مجموعة حرب الثلاثين سنة، أيضا "عند مفترق الطرق حرب أكتوبر.. ماذا حدث فيها.. وماذا حدث بعدها!" محمد حسنين هيكل.

"العمليات الحربية على الجبهة المصرية" تأليف جمال حماد، و"لا حرب في أكتوبر ولا سلام" أنيس منصور

"البيت والدخان" قصص ومذكرات عن حرب 6 أكتوبر التحريرية 1973 تأليف القاص السوري يحيى خضور، وتنتمي هذه القصص إلى أدب الملحمة يكتبها يحيى خضوري ويهديها إلى رفاقه في السلاح، جنود الجيش العربي البواسل الذين شاركوه في حرب 6 أكتوبر 1973.

كامب ديفيد هل محت نشوة أكتوبر؟

يقول الكاتب أسامة انور عكاشة كما نقلت عنه جريدة "العربي الناصري" في وقت سابق أن تراجع دور مصر في المنطقة العربية بدأ منذ قام الرئيس السادات بزيارته المشئومة إلى القدس وتوقيع اتفاقات كامب ديفيد، لأن السادات حقق كل ما تحلم به إسرائيل وفقدت مصر كل الأوراق وأصبحت رهينة لا تقوى على الحركة أو اتخاذ القرار بعد الموافقة على كل ما يريده الأمريكان والصهاينة. و أن الهدف ، والكلام لأسامة أنور عكاشة ، عزل مصر عن دائرتها العربية ليختل الميزان ويعبثوا كيفما شاءوا فى المنطقة، فأصبح ظهر العرب للحيط وحسم الصراع لحساب العدو الإسرائيلى إلى الآن على الأقل ويدلل عكاشة على ما ذكره سابقا بالمجازر التى ترتكب فى فلسطين كل يوم.

أيضا الكاتب الصحفى عبدالعال الباقورى يتفق مع ما طرحه عكاشة فى أن التراجع بدأ بزيارة القدس، ويتعجب الباقورى من الذين يذكرون أن التراجع بدأ مع يونيو 67 ويضيف: بعد 1973 مباشرة بدأ الحديث عن الحقبة السعودية وسعت أمريكا للقضاء على دور مصر فى المنطقة.

أما عبد الرحمن الأبنودي فيقول: حين جاء السادات وصنع بالناس نصر أكتوبر أحس أهالى مصر أنهم لم يجنوا شيئاً من هذا النصر إذ أدخل أكتوبر فى المساومة مع الأعداء، ودماء الشهداء لم تكن قد جفت بعد على رمال سيناء.
حرب أكتوبر تقلب مفاهيم العالم ..
كان لتلك الحرب تأثيرا عميقا على العلاقات الدولية، حيث أجبرت الولايات المتحدة على أن تضع قضية الصراع العربي الإسرائيلي في مقدمة أجندة سياستها الخارجية.
قال وليم كوانت عضو مجلس الأمن القومى الأمريكى ورئيس مكتب الشرق الأوسط في هذا المجلس خلال حرب أكتوبر 1973: هنري كيسنجر رئيس مجلس الأمن القومى الأمريكي أثناء الحرب تلقى رسالة عاجلة من رئيسة وزراء إسرائيل جولدا مائير عبر السفير الأمريكى لدى إسرائيل تتضمن أن الأجهزة الأمنية الإسرائيلية لديها معلومات عن تحركات عسكرية إلى الجبهتين المصرية والسورية.

ولكن التقدير الإسرائيلي للموقف استبعد نشوب حرب وشيكة، وأيدت التقديرات الأمريكية التقارير الإسرائيلية. ولكن كيسنجر فوجئ بالحرب وطلب عقد اجتماع عاجل لمجلس الأمن القومى الأمريكى
وتبنى سياسة الانتظار لقناعته بأن إسرائيل ستنتصر ودعا إلى اتخاذ خطوات من شأنها منع الاتحاد السوفيتى من الدخول كطرف في المعارك.

وكان كيسنجر يؤمن بأن العرب سوف يستَجْدُون وقف القتال، فقد كان يعتقد ان العرب سيهزمون فى 72 ساعة وذلك فى الحوار الذى دار بينه وبين السفير الصينى هوانج شين وضابط الاتصال يوم 6 أكتوبر 1973.
واعترف كوانت بأن رئيسة وزراء إسرائيل كلفت شارون بشن هجوم مضاد بمجرد علمها ببدء الجسر الجوى إلى إسرائيل- ونجح في إحداث ثغرة الدفرسوار، وأن حجم المساعدات العسكرية الأمريكية أعطاها ثقة كبيرة.

يقول الخبير العسكرى الأمريكي جاك ويلر: إن الجنود المصريين قد قلبوا في أكتوبر كل المفاهيم العسكرية التي كانت سائدة- منها تلك التى تعتبر أن الدبابة هى السلاح القادر على تدمير العدو وخاصة قوات المشاة التى لم يكن بوسعها التصدي لهجمات المدرعات.
ولكن خلال معارك أكتوبر واجه الجندي المصري قوات إسرائيل المدرعة، ودمروا الهجمات الإسرائيلية المضادة بأقل الخسائر على الجانب المصرى، وأقصى الخسائر على الجانب الاسرائيلي. لقد كان الدور الذى قامت به قوات المشاة المصرية في حرب 1973 مفاجأة حقيقية للخبراء العسكريين في الولايات المتحدة والعالم بأسره.

وتجدر الإشارة إلي أن مركز" أرشيف الأمن القومى" الملحق بجامعة جورج واشنطن قام مؤخرا بتجميع ونشر نصوص الوثائق السرية التى أفرجت عنها الولايات المتحدة خلال الأعوام الماضية بمقتضى قانون حرية الإطلاع على المعلومات والمتعلقة بحرب أكتوبر، وتم نشر نفس هذه المعلومات باللغة الإنجليزية على موقع المركز بشبكة الإنترنت http://www.gwu.edu وقام بترجمتها مركز الأهرام للترجمة والنشر وصدرت فى كتاب تحت عنوان "أسرار حرب أكتوبر فى الوثائق الأمريكية".

وجاء في احدي الوثائق المفرج عنها ومنها " .. وفي حرب 6 أكتوبر كما تكشف الوثاق فشلت المخابرات الأمريكية فى التنبؤ بالتهديد الماثل للحرب، وفقا لما ذكره رئيس قسم المخابرات فى وزارة الخارجية ، راى كلاين حيث قال: "كانت الصعوبة التى واجهتنا تعود فى جانب منها إلى اننا قد خضعنا لعملية غسيل مخ من جانب الإسرائيليين الذين قاموا بعملية غسيل مخ لأنفسهم".

الحرب في عيون الفرنسيين

يقول جان فرانسوا دارجوزان، رئيس المركز الفرنسى للدراسات الاستراتيجية: إن حرب أكتوبر كانت مفاجأة كبيرة، ذلك أن فرنسا والغرب كله كان لايزال تحت تأثير الضربة الجوية الإسرائيلية عام 1967 التى أعقبها إعلاميا وعلى نطاق واسع مقولة أن الجيش الإسرائيلي لا يقهر وهي صورة للجيش الإسرائيلى ظلت وسائل الإعلام في الغرب تضخم فيها دون أن تدري أن ذلك يمثل خطراً جسيما على الجيش الإسرائيلي نفسه على المدى البعيد.

يقول الكاتب الفرنسي جان كلود جيبوه في كتابه "الايام المؤلمة في اسرائيل": " في الساعة العاشرة
والدقيقة السادسة من صباح اليوم الاول من ديسمبر اسلم ديفيد بن جوريون الروح في مستشفي تيد هاشومير بالقرب من تل ابيب ، ولم يقل ديفيد بن جوريون شيئا قبل أن يموت غير انه رأي كل شيء لقد كان في وسع القدر أن يعفي هذا المريض الذي أصيب بنزيف في المخ يوم 18 نوفمبر 1973 من تلك الأسابيع الثمانية الأخيرة من عمره ولكن كان القدر قاسيا ذلك أن صحوة أو لرئيس لمجلس الوزراء الإسرائيلي في أيامه الأخيرة هي التي جعلته يشهد انهيار عالم بأكمله وهذا العالم كان عالمه لقد رأي وهو في قلب مستعمرته بالنقب إسرائيل وهي تنسحق في أيام قلائل نتيجة لزلزال أكثر وحشية مما هو حرب رابعة"
ويتابع جيبوه.. " فهل كان الرئيس المصري أنور السادات يتصور وهو يطلق في الساعة الثانية من السادس من أكتوبر دباباته وجنوده لعبور قناة السويس انه انـما اطلق قوة عاتية رهيبة كان من شأنها تغيير هذا العالم ان كل شيء من اوروبا الي امريكا ومن افريقيا الي آسيا لم يبق علي حاله التي كان عليها منذ حرب يوم عيد الغفران ".

في عيون البريطانيين

صدرت كتابات عديدة في أنحاء كثيرة من العالم في أعقاب حرب أكتوبر 1973 منها كتاب بعنوان Model Land Combat حيث تضمن تحليل الكابتن الفريد ميلر وكريستوفر فوس بشهادة مؤداها أن خطط الجيش العربي جاءت رائعة أما تنفيذها فقد كان أفضل من ذلك ورغم الاحتياطات التى اتخذتها المخابرات الإسرائيلية فإن الاستخبارات المصرية نجحت في تضليلها وخداعها.

ومع أن الرئيس السادات أبلغ الروس بنيته في الهجوم والعبور، وقام الروس سرا بسحب رعاياهم من سوريا ومصر، إلا أن موعد خطة الهجوم كانت غير معروف لأحد إلا لقائدي الدولتين.

يقول الصحفي البريطاني دافيد هيرست في كتابه "البندقية وغصن الزيتون": ان حرب أكتوبر كانت بمثابة زلزال فلأول مرة في تاريخ الصهيونية حاول العرب ونجحوا في فرض امر واقع بقوة السلاح ولم تكن النكسة مجرد نكسة عسكرية بل إنها أصابت جميع العناصر السيكولوجية والدبلوماسية والاقتصادية التي تتكون منها قوة وحيوية اي امة وقد دفع الإسرائيليون ثمنا غاليا لمجرد محافظتهم علي حالة التعادل بينهم وبين مهاجميهم وفقدوا في ظرف ثلاثة اسابيع وفقا للارقام الرسمية 2523رجلا وهي خسارة تبلغ من حيث النسبة ما خسرته أمريكا خلال عشر سنوات في حرب فيتنام مرتين ونصف "
ويتابع الصحفي هيرست : أول كتاب صدر في إسرائيل كان يحمل اسم "المحدال" أي التقصير وماكادت حرب 1973 تبدأ حتي أخذ الجنرالات يتبادلون الاتهامات واستقبلت الأمهات الثكلي والأرامل فيما بعد "موشي ديان" المعبود الذي هوى بالهتافات التي تصفه بأنه سفاك .

من قصاصات الصحف العالمية

لقد غيرت حرب اكتوبر عندما اقتحم الجيش المصري قناة السويس ، واجتاح خط بارليف غيرت مجرى التاريخ بالنسبة لمصر وللشرق الاوسط بأسره
صحيفة الديلي تلجراف البريطانية
7/10/1973

ان المصريين و السوريين يبدون كفاءة عالية و تنظيما و شجاعه لقد حقق العرب نصرا نفسيا ستكون له اثاره النفسية ان احتفاظ المصريين بالضفة الشرقية للقناه يعد نصرا ضخما لا مثيل له تحطمت معه اوهام الاسرائيلين بان العرب لا يصلحون للحرب
صحيفة واشنطن بوست الامريكية
7/10/1973

ان الأسبوع الماضي كان أسبوع تأديب وتعذيب لإسرائيل ومن الواضح أن الجيوش العربية تقاتل بقوة وشجاعة وعزم .
صحيفة الفينانشيال تايمز البريطانية
11/10/1973

لقد وضح تماما ان الاسرائيليين فقدوا المبادرة في هذه الحرب وقد اعترف بذلك قادتهم ومنهم الجنرال شلومو جونين قائد الجبهة الجنوبية في سيناء عندما قال : ان هذه أصعب حرب تخوضها اسرائيل منذ قيامها سنة 1948.
وكالة رويترز من تل ابيب
11/10/1973
جولدا مائير
جولدا مائير " فكرت في الإنتحار "
لقد محت هذه الحرب شعور الهوان عند العرب وجرحت كبرياء اسرائيل
صحيفة ديلي ميل البريطانية
12/10/1973

ان الكفاح الذي يخوضه العرب ضد اسرائيل كفاح عادل، ان العرب يقاتلون دفاعا عن حقوقهم، واذا حارب المرء دفاعا عن أرضه ضد معتد فانه يخوض حربا تحريرية، أما الحرب من أجل الاستمرار في احتلال ارض الغير فإنها عدوان سافر .
صحيفة تسايتونج الألمانية الديمقراطية
19/10/1973

لقد سادت البلاد قبل حرب اكتوبر مشاعر خاطئة هي شعور صقورنا بالتفوق العسكري الساحق لدرجة ان هذا الاعتقاد قادهم لطمأنينة عسكرية علي طريقة : سنقطعهم إربا ا إذا تجرأوا علي رفع إصبع في وجهنا
صحيفة علهمشمار الاسرائيلية
29/10/1973

لقد فر الجنود الإسرائيليون من خط بارليف وهم يلتقطون انفاسهم وقد علت القذارة ابدانهم وشحبت وجوههم ، فرت فلولهم من الجحيم الذي فتحه عليهم الهجوم المصري الكاسح.
صحيفة انا بيللا الايطالية
30/10/1973

ان صفارة الإنذار التي دوت في الساعة الثانية إلا عشر دقائق ظهر السادس من أكتوبر 1973 كانت تمثل في معناها أكثر من مجرد إنذار لمواطني اسرائيل بالنزول إلي المخابيء، حيث كانت بمثابة الصيحة التي تتردد عندما يتم دفن الميت .. وكان الميت حينذاك هو الجمهورية الاسرائيلية الأولي .. وعندما إنتهت الحرب .. بدأ العد من جديد ، وبدأ تاريخ جديد... فبعد ربع قرن من قيام دولة اسرائيل، باتت أعمدة ودعائم إسرائيل القديمة حطاماًِ ملقي علي جانب الطريق.
صحيفة " معاريف " الاسرائيلية
20/9/1998

ان جولدا مائير اعترفت - في حديث لها بعد حرب أكتوبر - بأنها فكرت في الانتحار
صحيفة يديعوت احرونوت الاسرائيلية
28/9/1998
أكتوبر والتشكيليين .. من واقع التجربة
انتفضت ريشة فناني مصر لتجسد حرب أكتوبر ، خاصة وأن الانكسار بات محلقا على النفوس عقب هزيمة 67 .

بانوراما حرب أكتوبر بمدينة نصر متحف حربي ضم أعمال الفنانين التي خلدت معارك الحرب, ورسمها الفنانون بإحساس صادق.

فقد حمل الجدار الداخلي أمام المدخل الرئيسي للقاعة الدائرية بالمتحف لوحة من الفيسفساء "الموازييك" للقائد الأعلى للقوات المسلحة وهيئة قيادته, يتضح بها غرفة العمليات للقيادة العامة للقوات المسلحة أثناء الحرب، وتضم هذه اللوحة صوراً لوزير الدفاع ورئيس الأركان وقادة الأسلحة والجيوش, وكبار قادة القوات المسلحة المصرية، كما يوجد على باقي الجدار الداخلي صورة أخرى لقادة القوات المسلحة الذين اشتركوا في الحرب.

أما الجدار الخارجي فيضم خريطتين لأبرز عمليات حرب أكتوبر مسجلة أيضا بالفسيفساء, كما حفر
بعض الفنانين أسماء شهداء حرب أكتوبر من الضباط والصف والجنود والمدنيين على لوحات نحاسية أنيقة بهذا الجدار.

وفي إحدى القاعات بالمتحف يصور ماكيت بالحركة والصوت والضوء الضربة الجوية المصرية الساحقة لعمق العدو وتحصيناته ومراكز قيادته واتصالاته, ثم قيام القوات الجوية المصرية بالتصدي للهجوم الجوى للعدو, وأعمال القوات البحرية والفتح الاستراتيجي لها.

كما شهدت قاعات مصر في هذه الفترة العديد من المعارض الجماعية والفردية عبر بها الفنانون عن مشاعرهم تجاه النصر العظيم والعبور, وتحطيم أسطورة خط بارليف, واسر الجنود الإسرائيليين الذين أصيبوا بالذعر تجاه هذا الهجوم المفاجيء.

ومن أبطال حرب أكتوبر الفنان الدكتور أحمد نوار رئيس الهيئة العامة لقصور الثقافة الذي كان قناصا
بالحرب, واصطاد من العدو حوالي سبعه عشرة جنديا إسرائيليا, وأنتج أعمالا عديدة عن الحرب, فقد أنجز مجسمات معدنية من مخلفات حرب الاستنزاف. ومن بين أعماله "مجموعة الحرب والسلام" التي أنتجها عام 1970, كما عبر عن الصواريخ في أعمالا مركبة وتجهيز في الفراغ, وفي عام 1971 رسم لوحة "الحرب" أبيض وأسود والتي استخدم فيها الحبر الشيني, كما رسم عمل "معادلة السلام" طباعة غائرة في عام 1982 والتي أتضح به هدوء نفسه بعد النصر في استخدامه للألوان الهادئة الفاتحة كناية عن السلام, ومن أعماله الكبيرة "ثلاثية السلام والمعادلة الصعبة" التي انقسمت إلى ثلاثة أجزاء وقد رسمها بالحبر الشيني والألوان الفلوماستر.

ومن الفنانين أيضا الذين خاضوا الحرب وعبروا عنها بأعمالهم الفنان الدكتور مصطفى الرزاز الذي لم ينتظر عودته من الجيش لكي يفرغ طاقته الإبداعية, بل رسم العديد من اللوحات الصغيرة في الجبهة, كما رسم الفنان حسنين محمد لوحاته بالحبر أيضا في الجبهة.

أما الفنان الفوتوغرافي محمد كامل عبد الرحمن جاتو فقد أقام معرضا عن حرب أكتوبر تحت مسمى "رسالة إلى الشهيد" أقيم في عام 1974, وقد اقتنته بالكامل هيئة الاستعلامات وأصدرت به كتاباً عن المعركة الخالدة, وتم طبع ملصقات مختارة من أعمال المعرض غطت المرافق الرسمية والموانئ والمطارات وشوارع وميادين الجمهورية.

المصدر: موقع محيط
العودة الى أعلى الصفة
المقالات التي تنشر تعبر عن رأي أصحابها الا ما ينشر باسم الحركة الوطنية الليبية
حقوق الطبع والنشر محفوظة لصوت الطليعة