|
|
عثمان العالم
لمحات من سيرة الراحل محمد القزيري
شخصيات - 24 نوفمبر 2007
|
|
محمـد حسين القزيـري : درنة 1937 _ لندن 2007
من طبيعة النفس البشرية عندما يفارق عزيزعلينا الحياة بدءا بأحد الأبوين أو أحد الأقرباء أو صديق عزيز علينا لابد أن نمربفترة حزن وحداد تأخذ حيزا يطول أو يقصرمن حيث الوقت والتأثر أوالحب والجفاء أوالعناية والإهمال وذلك طبقا للعلاقة التى تربطنا بالفقيد ، حتى بالنسبة للأبوين فى اغلب الأحيان تأخذ الأم الحيز الأكبر من إمتداد فترة الحداد وفقا لطابع العلاقة التى كانت تربط الأبن بكل من والديه . ومن طبيعة النفس البشرية أيضا ،ورحمة من الله عزوجل ورفقا بعباده جعل النسيان ليعيد الناس إلى إستمرارية الحياة الطبيعية ولكن تبقى ذكريات الأحداث والمواقف التى عاشها مع فقيده تلازمه طوال حياته ، وتأخذ حيزا وحضورا فى خياله وتتكررتلك الصور وكأنها حية ماثلة للعيان كما كانت عليها فى وقت حدوثها كلما خطرت ببالنا .
إن وصول نبأ وفاة الصديق العزيز محمد القزيرى رحمه الله رحمة واسعة إلى مسامعى هو الذى دفعنى لكتابة هذه المقدمة حين بدأت صور تلك الذكريات التى عشتها بصحبة الفقيد وتلك الصحبة الطيبة من أصدقائنا الأعزاء فى تلك الإيام الزاهرة تترآى أمام مخيلتى وذكرياتها لا تفارقنى ، أيام عشناها فى أمن وطمأنينة وسلام ، كانت تربطنا أواصر حب صادقة ووفاء يندرمثله فى هذه الأيام ، وجدت نفسى أمام شريط لا ينقطع ومسلسل مستمر لا يتوقف إلا ليعود لتنقلنى مشاهده إلى جلسات كانت تجمعنى فيها بالقزيرى ( كما كنا نناديه ) وببقية تلك الصحبة الطيبة التى كانت تضم مجموعة من خيرة شبابنا منهم الكاتب والشاعر والصحفى والمهندس وتتخللها الأحاديث الشيقة حول الأدب والتاريخ والسياسة وهموم الوطن ويشتد فيها النقاش حتى يصل الى مستوى المشادات أحيانا ولكن تطفئ حدتها علاقتنا ببعضنا وأواصرها المتينة التى يصعب إنفصامها ومهما وصلت درجة حرارة النقاش لا تصل مطلقا الى هبوط مستوى الحوار بل كانت جلساتنا تنتهى دائما بنهاية سعيدة يودع كل منا الآخر بالأبتسامات الودية العريضة وبعد هذه اللمحة الموجزة حول تلك الأجواء الرائعة التى عشناها فى ذلك الزمان البديع والذى كان فقيدنا الأستاذ محمد حسين القزيرى أحد فرسانه لابد من العودة الى موضوعنا وهو لمحات ومشاهد من حياة محمد حسين القزيرى .
بدت على الفقيد علامات الذكاء والنبوغ مبكرا فلم يكن هناك من تلاميذ مدرسته من يزاحمه على الأولوية ، وبعد نجاحه فى الحصول على الشهادة الثانوية بإمتياز أنتقل إلى الدراسة الجامعية ودخل كلية الآداب قسم اللغة الإنكليزية وبعد تخرجه بتفوق حصل على بعثة دراسية الى الولايات المتحدة فعمقت معرفته باللغة الإنكليزية فاتقنها لدرجة لم يكن من جيله أحد يضاهيه فى درجة الإلمام بها ، كما كان على درجة عالية من إتقان اللغة العربية وأذكرأنه أرسل إلى رسالة عندما كان فى زيارة علاج واستجمام في مصر يصف فيها حالة علاجه وما لاقاه فى فترة أقامته بها فكانت الرسالة على درجة عالية من جمال الوصف ودقة التعبير وروعة الأسلوب ، فقرأتها فى إحدى الأمسيات التى جمعتني بتلك الصحبة الطيبة فانبهروا بمحتواها ورقة اسلوبها وجماله إلى درجة إلحاحهم على لأزود كل منهم بنسخة منها فلم أفعل بل كنت أقرأهاعليهم بين فترة وأخرى نزولا عن رغبتهم وإلحاحهم .
وكان رحمه الله قارئا جيدا واسع الأفق ومطلعا على الثقافة الإنسانية يظهر ذلك فى حديثه ومشاركته فى الحوارعلى ندرته . أذكر يوما فى إحدى جلساتنا أن سألت عن ماذا تعنى كلمة ( سوناتا ) فلم يجبنى أحد من الحضور بالرغم من أن الكثيرين منهم كانوا كتابا ومثقفين ، ونطق ( الشيخ هلال ) وهذه كنية أطلقتها علي القزيرى لإعجابه وتندره بشخصية إعلان دعائى عن الشاهى كثر ترديده فى صالات العرض السينمائى وقال السوناتا هي قطعة موسيقية كلاسيكية تعزف على آلة واحدة (كالبيانو) وقد تصاحبها آلة موسيقية أخرى على ألا تطغى إحداهما على الأخرى ثم استمر فى الحديث عن المسرح الغنائى ( الأوبرا ) واكتشفت فيما بعد ، عندما أصبحت مغرما بالموسيقى الكلاسيكية وقرأت عنها الكثير وحرصت على زيارة أشهر دور الأوبرا فى العالم وتعرفت على بعض من مشاهيرها ، نعم أكتشفت ما كان يتمتع به أخى القزيرى من سعة افق ومستوى ثقافى مرموق .
بالرغم من أن الفقيد كان يميل للعزلة والإنطواء على نفسه إلا أن إحدى وسائله للترفيه هى أفلام رعاة البقر وكان حريصا على مشاهدتها كما أنه تمتع بروح الفكاهة وسرعة البديهة فى إطلاق التعليقات اللاذعة وسوف أسوق لكم إحدى ( قفشاته ) التى أماتتنا من الضحك. كنا فى إحدى جلساتنا نتجاذب أطراف الحديث وإذا بصديقنا العزيزعبد الله رمضان يحكى لنا أنه أصبح لا يشك مطلقا بأن إبنه وليد سيصبح لاعب كرة قدم عالمى وسألناه كيف ذلك فاجابنا بأنه يتحكم بالكرة بين قدميه بشكل لا يصدق وواصل بحماس وهل تصدقون انه كان دائما لا يمشى إلا على رؤوس أصابعه وهنا قاطعه القزيرى قائلا والله أنا اخشى أن (يطلعلك سراق) لآن السراق عادة يمشون على رؤس أصابعهم خوفا من سماع صوت خطاهم وأنفجر الجماعة ضحكا وصدم عبد الله وما كان منه إلا أن شاركنا الضحك .
لتمكن فقيدنا الأستاذ القزيرى من إجادة اللغة الانكليزية عينته شركة اسو النفطية مترجما معها في بداية أعمالهم بليبيا ، إذ كانوا فى حاجة ماسة لترجمة القوانين الليبية . دخلت يوما عليه بمكتب اسو فى بنغازى فوجدته غارقا في الترجمة فقال لى أنتظروأثناء فترة إنتظارى التى لم تطل نصف الساعة كنت مندهشا من سرعة الرجل فى ترجمة الأوراق ولم يكن ذلك بالأمر الهين وكان بالمكتب ثلاثة سكرتيرات كل واحدة منهن أمامها آلة طابعة ومنهمكات فى الطباعة بسرعة مذهلة والقزيرى منكب على الأوراق يترجمها بسرعة ملفتة للنظر وما يكاد ينتهى من واحدة حتى تسرع إحدى الفتيات لتلتقطها وتقدم الأخرى لتأخذ ورقتها وهكذا ، لقد كان الرجل متمكنا من عمله بشكل مذهل ويبعث على الفخر أن يكون من بين شبابنا مثل هذا الطراز من الرجال .
لقد كان فى إمكان القزيرى بما أعطاه الله من مواهب أن يتبوأ مناصب مرموقة غير أنه كان زاهدا فى الحياة ومعرضا عنها ولم يفتن بمظاهرها الكاذبة . شغل فى أواخرالستينات منصب سكرتير عام للغرفة التجارية ببنغازى وأدارها بكفاءة عالية وفتحت أمامه فرص ليصبح رجل أعمال كبير ولكن هيهات للقزيرى أن يقبل ذلك ، كما شغل أيضا رئيس قسم الترجمة بالسفارة الليبية فى لندن وقد قمت بزيارته فى مكتبه بالسفارة واستقبلنى مرحبا وتبادلنا حديث الذكريات ، ونحن نحتسى فنجانا من القهوة دخل أحد موظفى القسم ليقول للقزيرى يوجد رجل بالخارج يلح على رؤيتك فقال له دعه يدخل ، فدخل الرجل وقال إنه سودانى وخريج لغة انكليزية وفى حاجة ماسة لوظيفة وبسرعة إلتقط محمد صفحتين من صحيفتين إحداهما عربية والأخرى إنكليزية واعطاهما للسودانى ليترجم كلتيهما وبعد مرور وقت ليس بالطويل دخل الرجل وأعطى الأوراق للقزيرى فطلب منه أن ينتظر بالخارج وتفحص الأوراق بسرعة والتفت الى وقال ما رأيك فأجبته فى ماذا فقال فى أمر هذا البائس قلت له ما أدرانى أنت الذى أمتحنته فأجابنى كانت ترجمته من الأنكليزية الى العربية لا بأس بها أما العكس فكان ضعيفا ، هه ما رأيك فى أمر هذا البائس فقلت الأمرمتروك لك وأدركت رغبته فى مساعدة الرجل ولم يسعنى إلا القول إنك تعرفنى بأنى من المناصرين للبائسين وذوى الحاجة دائما فقال وهو كذلك ( العطيب راقد ريح ) فأدخل الرجل قائلا له استلم عملك . أنا أتعمد دائما أن أذكر الصور والمشاهد كما حدثت لتسليط الضوء على الشخصية التى أتناولها وللتمكن من تقييمها بعيدا عن رأى الشخصي الذى قد يتأثر سلبا أو إيجابا وفقا لعلاقتي بها عند تقييمها .
لا شك أن الأستاذ محمد حسين القزيرى كان شخصية يصعب سبرغور أبعادها لقد كان يختلف عن جميع إصدقائى الذين عرفتهم عن كثب كان يحتفظ دائما بمسافة بينه وبين أصدقائه جميعا فهو دوما القريب والبعيد فى نفس الوقت وكان يميل إلى الأنطوائية بالرغم من مكانته القريبة من قلوب أصدقائه الذين تسعدهم رؤيته لما يتمتع به من سعة الأفق الثقافى وطرافة تعليقاته وحبه للحرية وتجرده من الحقد إلا على السلطة الباغية ومن وقف فى صفها . كما عرف عنه نبذ مباهج الحياة وزخرفها حتى وصف بالزاهد كان يتطير من سماعه التحدث لآلة تسجيل المكالمات الهاتفية وما شابهها من آلالات الأخرى. ومن بين إصدقائه الصادق النيهوم ومن المقربين خليفه الفاخرى المقرب من قلوبنا جميعا . أشعر برغبة جامحة فى الإستمرار والكتابة عن فقيدنا العزيز لما كان له من مكانة فى نفسى وعند كل أصدقائه ولكن الحديث عن المرحوم القزيري لا ينتهي .
أن الموت هو حق على كل الناس لا مفر منه ( كل نفس ذائقة للموت) ولكننا عندما يصل الينا نبأ مواطن ليبى يقضى أجله فى مكان غريب عن وطنه ومسقط رأسه وبعد غربة تمتد لثلاثة عقود أو أكثر تدمى قلوبنا ويعصرها الأسى لا لإنتقاله إلى رحمة الله ولكن لبعده عن وطنه ولصعوبة دفن رفاته به وبين أهله لكى لا يرمى بجثمانه فى عمق البحر كما فعل النظام الهمجى الفاجر بكثير ممن أعيدت جثامينهم إلى أرض الوطن، هل شاهد التاريخ أبشع مما يجرى على أرض وطننا الغالى ليبيا , لقد أوصى الفقيد بعدم إرجاع جثمانه ودفنه فى أى مكان من أرض الله الواسعة ليس إلى ليبيا بل ليس إلى جماهيرية الملعون القدافى وعصابته وها أنا أوصى بما أوصى به الفقيد الغالى أخى محمد القزيرى لا حبا منا فى غربتنا لكن صرخة أحتجاج وأستنكار لما يرتكبه المجرم القدافى ليس وحده بل كل من تعاون معه فى تدمير وطننا وخيانته.
رحم الله فقيدنا داعين الله عز وجل أن يغفر له ويشمله بواسع رحمته إنه مجيب الدعاء .
عثمان حسين العالم
|
|
 |
|