السبت 25 أكتوبر 2014
بحث
أهون ألف مرة
أن تدخلوا الفيل بثقب إبرة
وأن تصيدوا السمك المشوي
في المجرة
أن تحرثوا البحر
أن تنطقوا التمساح
أهون ألف مرة
من أن تميتوا باضطهادكم
وميض فكرة
وتحرفونا عن طريقنا
الذي اخترناه
قيد شعرة
نشأة التيارات والأحزاب السياسية فى ليبيا: (2) حزب البعث العربى الإشتراكى
مقــــالات - 6 يوليو 2009
أرسل المقال اطبع المقال
نشأة التيارات والأحزاب السياسية فى ليبيا
(2) حزب البعث العربي الإشتراكي
( من محتويات كتاب " التاريخ السياسى ومستقبل المجتمع المدنى فى ليبيا ")
بقلم: إبراهيم عميش
لما كان عنصر العاطفة في التكوين القومي للأمة ؛ هو الشعور المُشترك بحياة واحدة و مصير واحد و رسالة واحدة ؛ تقوم دعائمها على عملية تاريخية طويلة ، و متراكمة ، تُشكل الوعي القومي بوحدة المصالح و المصير و تتفاعل فيها الأجيال المُتعاقبة و تتوارث خلالها المفهوم الاجتماعي السياسي الثقافي المشترك للهوية القومية ؛ فإن الأمة العربية الممتدة رقعة استيطانها الجغرافي من المحيط إلى الخليج ، هي أمة عربية واحدة لها صفاتها المميزة سوسيولوجياً بما لم يتوافر لغيرها من الأمم في مختلف العصور و إن جُزأت بفعل مؤامرات الاستعمار و الصهيونية ، القديمة و الجديدة المُستمرة ، … لذلك … و لأسباب أخري كثيرة ؛ لا يُمكننا أن نقفز فوق مسار التاريخ لنتجاوز الدور الثقافي للفكر القومي العربي و أثاره على التحولات السياسية على امتداد جغرافية المنطقة العربية و ما حولها ، … و قد كانت لإستراتيجيات و موازين القوى الدولية و أطرافها حساباتها المعنية بالأمن القومي العربي في عموم منطقة الشرق الأوسط و شمال أفريقيا .

و لأن الحال العربية متميزة بخصائصها القومية في الفكر الثقافي –السوسيولوجي– العربي ، فإن شبكة التحولات السياسية عبر تاريخ الدولة العربية الحديثة على اختلاف مساراتها و ألوانها و أهدافها ، كانت في عمومها مُطعّمة بالنزوع القومي … سلباً و إيجاباً … تأمرا و تعاوناً … صدقاً و كذباً …

فبقدر ما كان الإنتماء القومي نزوعاً عاطفياً ، و من المكونات الفطرية في سلوك الوجدان العربي ، .. كان غاية تبرر للحكام الانفراد بالسلطة ، و إعلان الأحكام العرفية بقوانين استثنائية تُجيز نصب المشانق في الشوارع و الساحات العامة ، … و يصبح مطلب الديمقراطية و سيادة القانون ؛ خيانة عظمى و انتهاكاً للأمن القومي ، .. فبحجة قومية المعركة و تحرير فلسطين ؛ رُهنت شعوب الأقطار العربية طيلة الخمسين سنة الماضية ؛ للتخلف الاجتماعي ، و أُخضعت للقهر السياسي ، و أُغرقت في مُثلث الجهل و البطالة و المرض ، … و لم يكن ذلك بفعل غير الرفاق ، … رفاق درب القومية الذين ولجو من المدخل العروبي إلى قصر السُلطة ، و تنكروا لكل القيم و المبادئ و الأهداف التي أسست لحركة القومية ، و أقامت بُنيان جمعياتها و أحزابها السرّية منها و العلانية منذ أول مؤتمر عربي لممثلي الأحزاب و الروابط و الجمعيات القومية في شهر يونيو – حزيران سنة 1913م في باريس ، … و كان قد حدد منظمو المؤتمر ، برئاسة عبد الحميد الزهراوي (1855 – 1916) ؛ وقتذاك المهمة الرئيسية للمؤتمر في البيان الذي وجّهوه إلى ممثلي الجماعات القومية في ؛ ( … مناقشة التدابير التي ينبغي اتخاذها من أجل حماية أرضنا من أطماع الأجانب ، و إنقاذها من الاستبداد و النير ، و تصريف شئوننا الداخلية على أساس اللامركزية ، و الحيلولة دون انحطاط بلادنا و احتلالها من قِبلّ الغرباء ) ... و وفقاً للبيان ؛ تضمن جدول أعمال المؤتمر المسائل الأربع التالية :

1-الحياة القومية و النضال ضد الاحتلال.
2-حقوق العرب من الإمبراطورية العثمانية.
3-ضرورة إدخال إصلاح على أساس اللامركزية.
4-النزوح عن سوريا و الهجرة إلى سوريا (1)
* * *
و إلى جانب وحدة اللغة و التاريخ و العادات و التقاليد التي تربط بين الشعوب المتجاورة و تُميزها عن غيرها من النظم الإقليمية في العالم ؛ تميزت المنطقة العربية إلى جانب كل ذلك بِسمات خاصة و ثابتة أخذت تتبلور في الفكر القومي العربي الجمعي مع اضمحلال الإمبراطورية العثمانية و زحف الجيوش الاستعمارية الأوروبية على الوطن العربي ، … و كانت القوى الصهيونية العالمية قد تمكنت من تحقيق أكبر عمليات الهجرة اليهودية الجماعية إلى الأراضي العربية بإتجاه تحقيق الهدف الصهيوني العالمي و إعلان قيام دولة إسرائيل : ...
و كانت الولايات المتحدة الأمريكية قد دخلت ساحة الشرق الأوسط برقعته العربية بعد إبرازها لقوتها الدولية و قدراتها العسكرية خلال و بعد الحرب العالمية الثانية ..
و كان من الطبيعي أن لا تركن قوى التحرر الوطني العربي إلى الواقع الذي حيّدها إليه الاستعمار، و أن ترفض حال التردي الاقتصادي و الظلم الاجتماعي و القهر السياسي المُصاحبة لمُخططات الإمبريالية للسيطرة الكاملة على الوطن العربي بعمومه،…
و لأن قوى الإمبريالية و الصهيونية العالمية كانت تدرك حقيقة المُعطيات التاريخية العقيدية للقومية العربية فقد عملت على تجزئة المنطقة العربية و فصلها ، و محاولة تفكيك المقاومات الفكرية والسياسية و الاجتماعية للقومية الواحدة لهذه الأمة ؛ و قد مكّنتها بعض العناصر و القيادات الإقليمية المُوغلة في العشائرية القبلية و الطبقية الإقطاعية من تنفيذ مُخططاتها و تحقيق مصالحها نظير أثمان بخسة و زهيدة حصرتها الإمبريالية في إقامة دويلات تخضع إدارتها لحكم ذاتي منقوص تحت إشراف الإدارات العسكرية الإنجليزية منها و الفرنسية .
و من هنا … من قلب هذا الواقع المُزري … و أملاُ في أن تنهض هذه الأمة بما لخصائصها التاريخية و الحضارية من مقومات تؤهلها لصياغة خطاب سياسي يؤكد أهمية البعد القومي العربي في مواجهة الاستعمار و الاستغلال و التخلف و يخترق التجزئة ليلاحم بين الشروط الموضوعية و بين العوامل الذاتية في مرحلة عجزت أن تُحقق فيها الحكومات و القيادات الإقليمية - القطرية منفردة الاستقلال التام و التحرر من رقعة الخضوع لمُخططات الاستعمار و الصهيونية ، … كانت الولادة الطبيعية لنشأة الأحزاب و الحركات السياسية التي اتخذت من الإيديولوجية مبادئ للتضامن العربي ، و تفعيل الثورة العربية الشاملة ، … فكان حزب البعث العربي الاشتراكي من أول الأحزاب السياسية العربية و القومية التي انتقلت بالفكر القومي و التيار الثوري إلى واقع الفعل العملي من خلال فروع تُؤسس للحزب في سائر الأقطار العربية تعالج السياسات القطرية من وجهة نظر المصلحة العربية العُليا ؛ ففي السابع من شهر أبريل – نيسان سنة 1947م عُقد المؤتمر التأسيسي الأول لحزب البعث العربي في دمشق بحضور و مشاركة نواة الحزب العربية من الأردن و العراق و لبنان ؛ و غيرها من الطلبة العرب في الجامعة السورية و الجامعة الأمريكية في بيروت.
كان النزوع القومي هو المُحرك الفاعل في حركة التحرر الوطني في مواجهة الاستعمار و الإمبريالية العالمية التي تجتاح العالم العربي دعماً لنفوذها و سيطرتها على المنطقة و تأسيساً لقيام دولة إسرائيل على الأرض في فلسطين … و كانت الوكالة اليهودية العالمية تعمل على إعاقة استقلال الدول العربية بالتأثير والضغط على الدول العُظمى لربط الاستقلال بإعلان قيام دولة إسرائيل ؛ و قبول العالم العربي بها ، … و في هذا أقنع رئيس الوكالة اليهودية "وايزمان" رئيس وزراء فرنسا آنذاك "ليون بلوم" بالضغط على الجنرال ديجول لإلغاء معاهدة سنة 1936 م وتأجيل انسحاب فرنسا من سوريا و تعطيل استقلالها الذي سوف يكون عقبة أمام إقامة دولة إسرائيل في فلسطين ، … و قد واجه ديجول انتفاضة الشعب السوري بقصف دمشق و مبنى البرلمان السوري بالمدافع في 29 مايو – آيار 1945 م ، … و كانت ثورة رشيد على الكيلاني 1941م في العراق ، قد صعدت من إنتفاضة الشعب السوري و دفعت كل من أمريكا و بريطانيا لإعلان موافقتها على استقلال سوريا عن فرنسا سنة 1946م.
* * *
عندما بدأ حزب البعث نشاطه سنة 1941م كانت قد وُضعت قواعد مُختصرة … لم تكن دستوراً … و لكنها ضمّـنت المبادئ الأساسية في عقيدة الحزب و نصت صراحةً على مبادئ الوحدة و الحرية و الاشتراكية ، و بقيت هذه المبادئ هي المُوجّهة للحزب و نشاطه الذي تركز في سوريا فقط … فلم تكن قد تأسست للحزب فروع أخرى حتى انعقاد المؤتمر التأسيسي الأول في أبريل – نيسان 1947م … فقد كان فرع حزب البعث العربي في الأردن هو أول فرع للحزب يؤسس خارج سوريا بعد المؤتمر التأسيسي الأول بأشهر ؛ ثم تبعه فرعا لبنان و العراق فيما بين عامي 1949م و 1959م
إعتمد المؤتمر التأسيسي الأول و أعلن في ختام أعماله دستوراً للحزب ضمنه ثلاثة مبادئ أساسية ؛ أكدت في مُجملها على أن : ...( العرب أمة واحدة لها حقها الطبيعي في أن تحيا في دولة واحدة و أن تكون حرة في توجيه مُقدراتها و لهذا ؛ فإن حزب البعث العربي الاشتراكي هو حركة قومية شعبية انقلابية تناضل من سبيل الوحدة و الحرية و الاشتراكية ، و يعتبر الوطن العربي وحدة سياسية – اقتصادية لا تتجزأ و لا يُمكن لأي قُطر من الأقطار العربية أن يستكمل شروط حياته عن الأخر و هو القائم على هذه البقعة من الأرض التي تسكنها الأمة العربية و التي تمتد بين جبال طوروس و جبال بشتكويه و خليج البصرة و البحر العربي و جبال الحبشة و الصحراء الكبرى و المحيط الأطلسي و البحر الأبيض المتوسط … ) (2)
و قد نصّت المادة الأولى من المبادئ العامة للدستور على أن : …
(حزب البعث العربي الاشتراكي هو حزب قومي عربي شامل تُؤسس له فروع في سائر الأقطار العربية و يعالج السياسات القطرية من وجهة نظر المصلحة العربية العُليا )...
كما و حدد المؤتمر التأسيسي في بيانه الختامي هذا ، القوى التي تقف موقفاً عدائياً من الأمة العربية ؛ و التي تحتل و تغتصب أجزاء من الأرض العربية و تؤازر الصهيونية و تستلب ثروة الوطن العربي ؛ بأنها :
- بريطانيا ، التي تحتل وادي النيل و فلسطين و شرقي الأردن و العراق و ليبيا و المحميات.
- فرنسا ، التي تحتل الجزائر و تونس و مراكش .
- و أمريكا التي تتدخل في شئون الشرق الأوسط و تؤيد الاستعمار البريطاني و تؤازر الصهيوني
و مع مطلع عام 1954م كانت فروع حزب البعث العربي الاشتراكي قد بدأت بالتوسع و الانتشار و تخوض معارك التحرر الوطني في عديد أقطارها العربية ، سراً و علانية ، في برامج و خطط سياسية مُوحدة و مُنسجمة مع المبادئ الأساسية و الأهداف القومية العامة للحزب الأمر الذي تهيأت معه أسباب و ضرورة عقد ( المؤتمر القومي الثاني ) في شهر يونيو – حزيران سنة 1954م ، … و كان هذا هو الإجتماع الأول لممثلي قيادات الأقطار خارج سوريا و الذي أُسس لإقامة تنظيم حزب البعث على المستوى القومي بإقرار النظام الداخلي للحزب و انتخاب أول قيادة قومية ؛ قوامها سبعة أعضاء إلى جانب الأمين العام ( ميشيل عفلق ) ؛
مارست قيادتها للحزب و استمرت عملياً حتى قيام الوحدة المصرية – السورية في الخامس من شهر فبراير – شباط سنة 1958 م و إعلان حل التنظيم الحزبي في الجمهورية العربية المتحدة إمتثالاً و امتداداً
للقرار الجمهوري المصري بحل الأحزاب السياسية و حظر قيامها في مصر ، ... و هو – القرار السابق عن إعلان قيام الوحدة - …… لذلك ، … و بسبب اشتراك بعض أعضاء القيادة القومية للحزب في الحكم ،... أعلنت القيادة القومية للحزب قراراً يقضي بحل حزب البعث العربي الاشتراكي في الجمهورية العربية المتحدة ، و دعىَ الأمين العام لجنة تحضيرية تمثلت فيها كل منظمات الحزب و فروعه للتحضير لعقد المؤتمر القومي الثالث للحزب خارج الجمهورية العربية المتحدة ( سوريا – مصر )
* * *
في هذا الوقت ، كانت كوادر التنظيم القطري لحزب البعث في ليبيا قد بدأت تتشكل على قاعدة البناء التنظيمي لحزب البعث العربي الاشتراكي التي وضع هيكليتها المؤتمر القومي الثالث للحزب على إثر انعقاده الاستثنائي في الفترة بين 27 أغسطس – آب و الأول من سبتمبر– أيلول سنة 1959م في بيروت ، لمعالجة الأوضاع الداخلية و الخارجية للحزب و هي الأوضاع التي وصفها البيان الختامي بأنهاأوضاع صعبة و فاصلة في حياة الحزب
و كان المد القومي العربي يتصاعد أواره في البلاد ( ليبيا ) ؛ و كانت أصداء الأحداث القومية الكبرى تُسمع من ليبيا ؛ ظاهرة في الوجود الفعلي و التأثير الفكري للتيار القومي المؤدلج في التنظيم الحزبي للبعث العربي الاشتراكي فالمناخ الوطني الليبي العام كان مهيئأً للاستقطاب مما يكسب حركة التحرر الوطني الديمقراطي – بعد الإستقلال – آليات الصراع في مواجهة نواقص السيادة الوطنية وخروقات الاستقلال السياسي و ما كبلت به بريطانيا ليبيا في نصوص و مواد " معاهدة الصداقة و التحالف " البريطانية الليبية المُوقعة في 29 يوليو – تموز سنة 1953م
و كذلك المعاهدة التي أبرمتها الولايات المتحدة الأمريكية مع حكومة الملك إدريس في 9 سبتمبر – أيلول سنة 1954م ، و منحت بموجبها حق استعمال مناطق في ليبيا للأغراض العسكرية مقابل حصول ليبيا على معونة قدرها 7 مليون دولار ، بالإضافة إلى منّح قدرها 4 مليون دولار تًدفع للحكومة الليبية سنوياً على مدى إحدى عشر سنة ؛ إبتداء من يوليو – تموز سنة 1960م.
* * *
عندما إحتدٍم الصراع العربي – البريطاني على امتداد الوطن العربي ، … و تصاعدت حدة المواجهة في فلسطين و الأردن و العراق ، … ثم إلى درجة إعلان حالة الحرب بالاعتداء الثلاثي … الإسرائيلي – الفرنسي - البريطاني في 31 أكتوبر – تشرين الأول سنة 1956 م على مصر ( عبد الناصر ) كانت قد أثارت بريطانيا شعوراً عدائياً لدى الشعوب العربية بما اتخذته من مواقف الدعم للكيان الصهيوني و قيام دولة إسرائيل على حساب حرية و أمن الشعب الفلسطيني ، و على حساب أمن و استقرار دول الجوار العربي؛ … و قد بلغ العنف الإسرائيلي مداه في الأراضي الفلسطينية من المذابح الجماعية إلى التهجير العنصري في عراء المخيمات ؛ …
...لذلك أحتل المشروع القومي الأولوية عن ما عداه من مشاريع التحرر الوطني في العالم العربي …
... و لم تكن ليبيا خارج برامج التثوير القومي في تعليمات و توجيهات القيادة القومية – التنظيمية و السياسية – لحزب البعث العربي الاشتراكي ، … و كانت القاهرة مركزاً لنشاط عناصر و قيادات البناء التنظيمي لفروع الحزب في منطقة المغرب العربي و شمال أفريقيا حيث التحقت جماعة من الطلبة الليبيين ممن مكّنتهم ظروف أسرهم المادية من الالتحاق بالجامعات المصرية بالقاهرة و الإسكندرية ، …
فلم تكن قد تأسست الجامعة الليبية بعد (3)... و كان من الرعيل الجامعي الأول و ممن التحق بحزب البعث و شكّل النواة الأولى ؛ ثم القيادة القطرية للحزب في ليبيا :

المرحوم / الأستاذ عامر الدغيس ...(4)
الأسـتـاذ / عبـد الله شـرف الديـن ...(5)
الأسـتـاذ / مـنـصــور الــكــيـخــيـا ...(6)

و إذا ما إعتمدنا مفهوم الصفوة أو النخبة ؛ فإن عناصر و قيادات حزب البعث في ليبيا كانت من الصفوة الوطنية السياسية المُثقفة في المجتمع الليبي وقتذاك ، … و لم تقتصر "الطبيعة النخبوية " على المجموعة المؤسسة لفرع الحزب بل امتد هذا الطابع إلى المُنظمين إليه بعد تأسيسه في القاهرة سنة 1954 م ، ... فكان منهم :
إبراهيم حافظ و إبراهيم الهنجارى والحسين أحمد الصغير(7) و خليفة الأسطى و سليمان فارس و محمود بانون و صالح الشريف و عامر البكوش و عثمان البيزنطي و عبد العاطي حداش (8) و فريد حسين أشرف و محمد فرج حمى (9) و محمد أحمد السكر … و النقيب محمد فرج التومي (10) و محمد نجاح … و محمد الصيد … . و آخرون .
* * *
كانت أحداث الإعتداء الثلاثي على مصر أول مواجهة يختبر حزب البعث فيها قدرات قياداته القطرية و عناصره في ليبيا على صدام مباشر مع حكومة الملك إدريس ، … و لأن عبد الناصر كان قد ألهب المشاعر القومية على امتداد الوطن العربي ، … فقد كان لتداعيات الاعتداء الثلاثي – الإنجليزي – الفرنسي – الإسرائيلي – على مصر أثره البالغ على الأوضاع السياسية لكل من الحكومة و المعارضة على السواء، … فمع إعلان صوت العرب من القاهرة 31/10/1956م ؛ أن مصر : تتعرض لهجوم استعماري ثلاثي مُسلح ، يستهدف السيطرة على قناة السويس و احتلال مدينة غزة و صحراء سيناء و أن المقاومة الشعبية تتصدى للغزو الصهيوني الاستعماري في السويس و بور سعيد و كل مدن القنال ، … و استجابة لنداءات عبد الناصر التعبوية اندلعت في مدن الولايات الليبية الثلاث مظاهرات عارمة تندد بالاعتداء على مصر ، و تطالب الحكومة الليبية بإلغاء المعاهدتين مع كل من بريطانيا و أمريكا و جلاء القوات العسكرية عن ليبيا و كان لعناصر حزب البعث الباع الأكبر فى قيادة المظاهرات و تصعيد المواجهة بإحراق و تفجير (نادي الضباط الإنجليز ) في طرابلس ، … و قد برزت في سياق أحداث الاعتداء الثلاثي و تداعياته الدولية و الإقليمية معارضة وطنية احتلت مكانتها النضالية في التجمعات الشعبية لفئات و شرائح المجتمع المدني – عمال ، أرباب مهن و حرفيين ، محاميين ، مدرسين و طلبة إلى جانب تجمعات المثقفين و الحزبيين في المقاهي و المنتديات الثقافية والرياضية – انعكست مفاعيلها في كتلة برلمانية تطالب الحكومة بإعادة النظر في المعاهدتين البريطانية و الأمريكية و إلغاء الامتيازات الممنوحة لقواعدها العسكرية في ليبيا ، … الأمر الذي ألزم رئيس الحكومة (مصطفي بن حليم) بمطالبة الحكومة البريطانية بإعادة النظر في بعض النقاط الواردة في المعاهدة البريطانية الليبية و الحصول على تأكيدات بأن القواعد العسكرية لن تستخدم ضد مصر … ألتزاماً بنص المادتين الثانية والرابعة من معاهدة الصداقة و التحالف المُلزمة للحكومة البريطانية " بعدم استعمال قواتها المٌرابطة في ليبيا في أي نزاع مُسلح ضد أي بلد عربي " … و في هذا يقول مصطفي بن حليم : " في مساء يوم 31 أكتوبر 1956 أستدعيت السفير البريطاني و دار بيننا اجتماع عاصف أُلخصه فيما يلي :

إستهل السفير كلامه بالاعتذار عن تغيبه عن السفارة طوال اليوم قائلاً :
(… لا شك عندي أنك ستعذرني عندما تعرف السبب في تغيبي طول اليوم ، لقد استقليت طائرة نفاثة من طائرات سلاح الطيران البريطاني و طرت إلى لندن لأنني شعرت أننا نواجه حالة شديدة الخطورة لا تنفع البرقيات في معالجتها ؛ لذلك ذهبت بنفسي إلى لندن و قابلت وزير الخارجية على عجل و وصلت منذ ساعة ، … و أود أن أسّر إليك يا سيادة الرئيس " على أن يبقى هذا سراً بيننا " … أنه كان هناك خلاف بين رئاسة الأركان و وزارة الخارجية ، … فيما ترى رئاسة الأركان ان نصوص معاهدة التحالف لا تضع استعمالاً محدوداً للقواعد البريطانية في ليبيا في حالة حرب ، فإن وزارة الخارجية " بناء على نصحي و إلحاحي الشديدين " رأت أنه لا يجوز استعمال القواعد البريطانية في ليبيا بأي حال من الأحوال و بأي قدر من المقادير ، و أنه يجب اعتبار أن القواعد البريطانية في ليبيا غير موجودة إطلاقاً فيما يتعلق بالحملة العسكرية على مصر ... )(11)
... و يضيف السفير البريطاني لرئيس الوزراء مصطفي بن حليم قائلاً :
(… و لقد تمكنا من إقناع رئاسة أركان الحرب بوجهة نظرنا …
* * *
… و لأن بريطانيا قد بدأت تفقد أهم مراكزها الاستراتيجية في الشرق الأوسط بجلاء قواتها عن مصر ، و تأميم عبد الناصر للشركة العالمية للملاحة في قناة السويس و مظاهر سيطرته على الحدود و الممرات الاستراتيجية على الأرض و في البحرين الأبيض و الأحمر ، …
و مع احتدام حدة صراع الاستقطاب في الشرق الأوسط ، تصاعدت وتيرة المواجهة في حرب باردة بين الاتحاد السوفيتي المتزعم لدول المعسكر الاشتراكي و الولايات المتحدة الأمريكية القائدة للمعسكر الرأسمالي ، و هي الحالّة محل حليفتها بريطانيا في مراكز النفوذ الاستراتيجي في الشرق الأوسط ، و حماية الدولة (العبرانية) في إسرائيل ، … لذلك ، … و لأسباب أخرى كثيرة من أهمها ؛ أن أدوات الصراع التي يسعى كل طرف – روسيا – أمريكا – إلى الاستحواذ عليها ، لمنازلة الآخر بها ، … ليست إلا قوى السلطة المحلية ( ملوك ... أمراء ... رؤساء ، أو القوى السياسية البديلة ) ، …
* * *
كان من الصعب على الحكومة الليبية وقتها (1956م) أن تطلب من بريطانيا إلغاء المعاهدة معها أو جلاء قواتها عن قواعدها العسكرية في ليبيا لسببين :

الأول : أن الملك إدريس السنوسي ما زال يقيد نفسه بما يحمله من شعور بالدين المعنوي تجاه المملكة البريطانية التي قدمت له كافة وسائل الدعم لتشكيل الجيش السنوسي (1940م) و ساعدت بلاده على التحرر من الاستعمار الإيطالي الفاشي ، … و هي التي اعترفت به أميراً على إقليم برقة ، .. و هي التي ما زال يعتقد أنها القوة العُظمى المهيمنة على إدارة شئون العالم ، … و هي التي يمكنها الإطاحة بأي من يناوئ مصالحها ، … و هو الذي يخشى إلى جانب ذلك مكرها و يحذر مؤامرات و كيد ساستها .

ثانيا ً : الوضع الاقتصادي الصعب و ما خلفته ، سنين الحرب من دمار إلى جانب حاجة الدولة الماسة إلى إيرادات تغطى ميزانيتها المتواضعة إلى جانب أن أهم أجهزة الدولة الإدارية و المالية كانت و ما تزال تسير من خلال عدد كبير من الخبراء و المستشارين الإنجليز ، و كانت البنى الأساسية شبه معدومة ( الصحة و التعليم و المواصلات و حاجة البلاد الماسة إلى المياه و الكهرباء ) ، و ليس من مورد سوى ما تدفعه بريطانيا بموجب معاهدة الصداقة و التحالف (1953م) و تأجير القواعد العسكرية و هو مبلغ 4/3 2 مليون جنيه إسترليني سنوياً لتغطية عجز الموازنة ، زائد مليون واحد سنوياً لأغراض التنمية ، … و ما تدفعه الولايات المتحدة الأمريكية بموجب اتفاقية (أكتوبر 1954م) و هو مبلغ 7 ملايين دولار مخصصة للتنمية الاقتصادية تحت إشراف ( المجلس الليبي – الأمريكي ) لإعادة الإعمار .

… و كان لعناصر و قيادات حزب البعث في ليبيا دورها فى ربط الاستقلال و التحرر الوطني في البلاد بمستقبل المشروع القومي العربي ، … و قد تسللت عوامل القلق و عدم الاستقرار إلى أجهزة و قوى النظام الملكي في ليبيا ؛ خوفاً من عدوة ناصرية تصيب المؤسسة العسكرية و قد شاعت عوامل الثورة القومية وأيديولوجية الوحدة العربية كمخرج و منقذ وحيد للوطن العربي المستهدف من القوى الإمبريالية المتربصة به ، … و كان قد قبض عبد الناصر على ناصية الشارع السياسي العربي في مواجهة مشروعي "سوريا الكبرى" و "الهلال الخصيب" و تعبئة الرأي العام العربي لإسقاط ما كان يُسمى بــ "حلف بغداد" … و قد إستقوى عبد الناصر بالتيارات القومية و الأحزاب التقدمية و على رأسها كان حزب البعث العربي الاشتراكي الذي تواءم مع قومية عبد الناصر و زعامته (بما هو مفيد و ما هو ضار) تحت ضغط الشارع العربي ، و في حال النشوة العاطفية التي كانت هي الأقوى من التأسيس السياسي و الدستوري لدولة الوحدة و نواتها (المصرية – السورية ) التي لم تدم أكثر من ثلاث سنوات و نصف السنة.
و بقدر ما أهتز النظام الملكي و حكومة الملك إدريس في ليبيا لسقوط الملكية و قيام ثورة 17 يوليو – تموز سنة 1958م بقيادة عبد الكريم قاسم في العراق و قيام الجمهورية ؛ … بقدر ما تُعزز دور حزب البعث و قوية شوكة عبد الناصر بمحاولة اغتيال قاسم في خريف 1959م و لجوء قطبي (المحاولة و القيادة القطرية للحزب) فؤاد الركابي و صدام حسين إلى حمى عبد الناصر ؛ و قد توطدت رفاقية العلاقة الحزبية على ضفاف نيل القاهرة – بتسهيلات استخباراتية مشوبة بحذر ناصري – بين عناصر القيادتين القطريتين للحزب في العراق و ليبيا ،… فقد شارك صدام حسين و مدحت جمعة و سعدون حمادي(12) رفاقهم من عناصر و قيادات البعث في ليبيا في ترتيب أولويات النضال القومي في منطقة المغرب العربي بما يمكـّن قيادة القطر الليبي من بناء مواقع للحزب داخل المؤسسة العسكرية للجيش الملكي الليبي ؛ و إعدادها للقيام بانقلاب عسكري يُطيح بالنظام و حكومة الملك إدريس ؛ تقوده و توجهه القيادة المدنية للحزب في ليبيا .

و كان قد انعقد المؤتمر القومي الرابع للحزب في (بيروت) في أواخر شهر أغسطس – آب سنة 1960م تنفيذاً لقرار المؤتمر القومي الاستثنائي (الثالث) بعقد مؤتمر قومي عادي بعد سنة واحدة …
و كانت هناك قضيتان تستأثران باهتمام البعثيين هما : وضع الحكم في الجمهورية العربية المتحدة (مصر – سورية) و موقفها من الحزب ، … و قضية محاولة اغتيال عبد الكريم قاسم وما تبعها من تردي الوضع في العراق ، لذلك أولى المؤتمر الرابع للحزب قضية (أسلوب العمل الحزبي أهمية خاصة ،و ركز أبحاثه حول الطرق التي يتوجب على الحزب (البعث)، وعلى الحركات القومية التقدمية الأخرى في الوطن العربي اتباعها لتحريك الجماهير الشعبية و دفعها لمتابعة نضالها في سبيل "الوحدة و الحرية و الاشتراكية "

و وفقاً لتوصياته المبدئية العامة ، و توصياته السياسية ، و توصياته حول أسلوب العمل التي رفعها للقيادة القومية الجديدة للحزب ؛ أدان المؤتمر القومي الرابع قرار حل فرع الحزب في الجمهورية العربية المتحدة و استنكر الأسلوب الذي جاء اعتماداً على الوعود و النوايا و ليس نتيجة لدراسة علمية للواقع الاجتماعي و السياسي.
و أشارت القيادة القومية في تقريرها للحزب في أواخر أغسطس – آب سنة 1960 م إلى : …(أن التطورات التي حدثت في ال ج.ع.م خلقت انطباعاً شاملاً بان قرار الحزب (في الإقليم السوري) كان خاطئاً من أساسه ، و لم يصدر عن مؤتمر قومي للحزب، و لا عن القيادة القومية بشكل نظامي ، و لم يكن لقيادة الحزب خارج سوريا رأي جَدّي في الموضوع بل أن هذه القيادات جُوبهت بالأمر الواقع … و قد وضع الحزب عملياً أمام الأمر الواقع خلال مفاوضات الوحدة ، و كان على قادته الذين طرحوا شعار تحقيق الوحدة و فرضوه في سوريا أحد أمرين :

إما أن يقبلوا بالوحدة بالشرط الذي أشترطه عبد الناصر،أو يرفضوا شروط عبد الناصر فتفشل الوحدة و يظهر الحزب أمام الرأي العام العربي كمُعرقل للوحدة … و قد أصبح الحزب محصوراً بين احتمالين :
إما وحدة على أساس ديكتاتوري … و إما انفصال ،... و لم يكن أمام الحزب إلا أن يختار الوحدة و لو مُجردة من المحتويات الملازمة لها . فمسئولية الحزب الكبرى هي ؛ أنه هو الذي حرك الجماهير نحو الوحدة دون أن ترافقه الضمانات الكافية …)
و عن مسألة ( استلام الحزب للحكم ) أضافت القيادة القومية في تقريرها هذا : … ( أننا عندما نقول أن الحزب أداة حية لتحقيق أهدافه فأننا نعني بصورة من الصور أن الحزب أداة حية للحكم … و أننا نعني بصورة من الصور أن الحكم أداة حية لتحقيق أهداف الحزب . فمسألة استلام الحزب للحكم يجب أن لا تُثير أي تساؤل بعد الأن في كافة أوساط الحزب لأن ثورية الحزب لا تقترن إطلاقاً بموقفه من الحُكم و انما يجب أن تقترن دائماً بأسلوب الوصول إلى الحكم و شكل هذا الحكم . أن ثورية الحزب لا تكون في رفض الحكم و إنما في رفض اعتبار الحُكم نقطة البدء في تحقيق أهداف الحزب … إن العمل الثوري يتجسد في قترة من فترات التغيير في المجتمع باستلام الحُكم ، و إن أي تباطؤ أو تلكؤ في استلام الحُكم يكون عملاً انهزامياً مُخرباً … ) (13)
و في توصياته السياسية التي أصدرها المؤتمر القومي الرابع للحزب في ختام أعماله ، … و فيما يعنيه شأن حزب البعث في ليبيا : …. ( لاحظ المؤتمر وجود إمكانيات كبيرة لتحقيق انطلاقة حزبية واسعة في ليبيا ، كما لاحظ سلامة البداية فى بناء الحزب من حيث صحة التركيب الاجتماعي للحزب و اعتماده أساساً على قوى شعبية و عمالية ، لذا فالمؤتمر القومي الرابع يوصي القيادة القومية بالعمل (في القُطر الليبي ) على :
1-الاستفادة من سلامة التركيب الاجتماعى و البداية على أُسس متينة و الاستفادة منها كتجربة هامة في العمل الحزبي.
2-تقوية الاتصال بها لإغناء القيادة المحلية بكل تجارب الحزب و إمكانياته.
3-توحيد الحركة العُمالية في ليبيا و تحقيق علاقاتها بالحزب.
* * *
و مع حلول سنة 1962م و انسجاماً مع توصيات المؤتمر القومي و توجيهات القيادة القومية ، كان الفرع القطري لحزب البعث العربي الاشتراكي في ليبيا قد حقق انتشاراً سياسياً و اجتماعياً من خلال أدواته الإعلامية (منشورات سياسية ، مقالات صحفية و ندوات عامة) و مواقع عناصره في النقابات و الاتحادات المهنية و الطلابية ، … و كانت قد صدرت التعليمات إلى وزارة الداخلية و أجهزة الأمن العام بتكثيف المراقبة و المتابعة لعناصر الحزب في البلاد و رصد تحركات قياداته التي ظهرت آثار توجهاتها الفكرية و السياسية و نشاطاتها الحزبية داخل أجهزة الإدارة و الحكم في ولايتي طرابلس و برقة و المساعي التي يبذلها و يُمهد بها كل من عامر الطاهر الدغيسي و عبد الله مصطفى شرف الدين في طرابلس و محمد فرج حمى في بنغازي ؛ … الأول للترشيح لعضوية مجلس النواب ، … و الثاني لعضوية المجلس التشريعي و قد تقدم بطلب الترخيص له بإصدار جريدة " الأيام " … و الثالث بما عُرف عنه تحريضه العلني و معارضته لسياسات النظام و نشره أفكار حزب البعث و تأييده لسياسات عبد الناصر القومية ، إلى جانب ما وصفته تقارير الملاحقات الأمنية بخطورة تأثيراته الحزبية في الوسط الطلابي بالجامعة الليبية بإعتباره موظفاً بكلية الآداب "مُسجل الكلية" … إلى جانب رصد تحركات عدد من عناصر الحزب العربية من غير الليبيين ، … كان على رأسهم "الدكتور سعدون حمادي" الموظف بمصرف ليبيا المركزي ، و الفلسطينيين تاج الدين غانم ، و محمد بن محمود الذي كان يعمل مستشاراً قانونياً بمكتب رئيس الوزراء.
* * *
و لما كانت نكسة الانفصال في 27 سبتمبر – أيلول سنة 1961م إحباطاً أصاب الروح القومية و الإرادة السياسية للأمة العربية ؛ فإن رزمة الاتهامات التي وُجهت إلى عبد الناصر من طرف القيادة القومية لحزب البعث ، قد قابلها عبد الناصر – و بدافع الرغبة في نفض يده من مسئولية فشل تجربة الوحدة " المصرية –السورية " و حدوث الانفصال – بفتح جبهة صراع استهدفت عناصر و كوادر حزب البعث و بعض القوى الوطنية السورية التي وجدت في عدم مراعاة الخصائص المحلية " السورية " نوعاً من القسرية الأحادية ، إلى جانب الأخطاء القاتلة التي نُفذت منها المُخططات التآمرية ، و مهدت الطريق لحدوث عملية الانفصال …(و بخاصة مسلك النظام في حل الأحزاب الوطنية و الوحدوية و تصفية الديمقراطية ، و تعزيز هيمنة " عبد الحكيم عامر" و مجموعته العسكرية في سوريا )(14) و قد امتدت جبهة الصراع الناصري ضد حزب البعث من القاهرة إلى سوريا و العراق شرقاً ... و إلى المملكة الليبية غرباً ، … و ما عادت خيمة عبد الناصر تحمي عناصر و قيادات البعث ( إلاّ ّمن خالف في رؤاه البعث و التحق بالناصرية ) الأمر الذي أفسح المجال لحكومة الملك إدريس للتظلل بمظلة عبد الناصر المتوجس شراً من نشاطات حزب البعث في ليبيا .

و تهيأت الأسباب مع الذكرى العاشرة لثورة عبد الناصر ، … في يوليو – تموز سنة 1962م و على أثر انتشار طائفة من المنشورات التي أصدرتها و عممتها القيادة القطرية و عناصر حزب البعث في ليبيا :
قامت أجهزة الأمن في كل من ولايتي طرابلس و برقة و بإذن من النيابة العامة بضبط و اعتقال عناصر و قيادات الحزب و وجهت لهم تهمة : " تشكيل تجمع حزبي دون الحصول على ترخيص "… و إصدار منشورات تُحرض القوات المُسلحة على القيام بانقلاب عسكري يُطيح بالنظام في البلاد… "(15)
و قد تمكن عضو القيادة القطرية للحزب في ليبيا المحامي عبد الله شرف الدين من مغادرة البلاد إلى القاهرة قبل اعتقاله ، و كان ما يزال بالقاهرة كل من صدام حسين ، كريم الشيخلي ، حاتم العزاوي ، طه ياسين العلي ، و مدحت إبراهيم جمعة الذي أقترح أن يبقى شرف الدين بالقاهرة بإنتظار ما تُسفر عنه نتائج التحقيقات .
و في أواخر شهر أغسطس – آب و بعد صدور الأحكام القضائية غادر شرف الدين القاهرة عائداً إلى طرابلس حيث سلّم نفسه طوعاً لتنفيذ الحكم عليه بالسجن لمدة سنتين ، قضى بعضاً منها مع رفاقه في سجن مزدة قبل أن يصدر الديوان الملكي مرسوماً بإسم الملك محمد إدريس السنوسي يقضي بالعفو عنهم جميعاً و عودتهم إلى أعمالهم و مزاولة مهنهم .
* * *
فى الحلقة القادمة
ابراهيم عميش نشأة التيارات والأحزاب السياسية فى ليبيا
(3) حزب التحرير الإسلامى
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)راجع: " الأحزاب والحركات القومية" الجزء الثانى إشراف على ناصر محمد ، عن مركز الدراسات الاستراتيجية – بيروت 1995م.
(2)راجع: الجزء الرابع من كتاب " نضال البعث " صادر عن دار الطليعة ، الطبعة الثانية بيروت 1972م.
(3)تأسست الجامعة الليبية بموجب قانون إنشاءها سنة 1955م ، وافتتحت أول كلياتها – الأداب والتربية فى 15/12/1955م ثم تلتها
كلية العلوم سنة 1956م ثم كلية الاقتصاد فى بنغازى سنة 1957م.
(4) هو: المرحوم الأستاذ عامر الطاهر الدغيس؛ تخرج فى كلية العلوم جامعة القاهرة سنة 1958م وافتتح مكتب ( محرر عقود – كاتب عدل ) بمدينة
طرابلس وإثر اعتقاله من محل سكناه قتل تحت التعذيب بالمعتقل يوم الأجد 24/2/1980م وكان قد رفض الشهد عامر الدغيس المشاركة فى
نظام الحكم الذى افرزه انقلاب سبتمبر 1969م وطالب بعودة العسكر الى ثكناتهم وتسليم شئون البلاد الى المدنيين .
(5) هو: الأستاذ عبدالله مصطفى شرف الدين ، تخرج فى كلية العلوم – جامعة القاهرة سنة 1956م عمل محاميا وانتخب عضوا فى المجلس التشريعى
عن " زاوية الدهمامنى " فى ولاية طرابلس سنة 1968م، ثم صار نقيبا للمحامين وعضوا فى إتحاد المحامين العرب ، وتولى فى سنة1975م
رئاسة المنظمة الدولية لمناهضة جميع انواع التمييز العنصرى ،.. وبعد مقتل رفيقه عامر الدغيس سنة 1980م غادر البلاد الى جنيف ثم الى
هيوستن فى اميريكا ، ثم استقر به المقام ومازال مقيما بالقاهرة ورئيسا للمنظمة الدولية لمناهضة العنصرية ، ورافضا لسياسات النظام
الشمولى القائم ى بلاده ليبيا ..
(6) هو : المناضل الوطنى المغيب ( منصور رشيد الكيخيا ) تخرج فى كلية الحقوق بجامعة القاهرة سنة 1954م وواصل تعليمه بجامغعة السربون
بباريس قبل ان يلتحق بوزرة الخارجية الليبية سنة 1959م ومن بعد انقلاب سبتمبر 1969م ابح وكيلا ثم وزيرا للخارجية الليبية، ثم مندوبا
دائما لليبيا فى المنظمة الدولية للأمم المتحدة حتى سبتمبر سنة 1980م ومن بعد مقتل الشهيد عامر الدغيس ثم مقتل الشهيد محمد فرج حمى
أعلن مفاصلته للنظام فى ليبيا والتحق بالقوى الوطنية المعارضة وانتخب أمينا عاما للتحالف الوطنى الليبيى سنة 1987م وهو عضو مجلس
امناء المنظمة العربية لحقوق الانسان و ممثل اتحاد الحقوقيين العرب فى الأمم المتحدة و رئيس لجنة الحريات النقابية التابعة لمنظمة الدول
العربية ... وقد عمل المناضل منصور الكيخيا على لم شمل المعارضة الوطنية الليبية فى موادجهة النظام الشمولى القائم فى ليبيا إلى ان قامت
عناصر النظام الليبى بإختطافه فى القاهرة يوم 10/12/1993م اثناء مشاركته فى اعمال مؤتمر مجلس أمناء المنظمة العربية لحقوق الإنسان .
(7)هو المرحوم الاستاذ الحسين أحمد الصغير ، من أهالى مدينة مصراته ، تخرج ى كلية الحقوق – جامعة بنغازى سنة 1967م و عمل وكيلا للنيابة العامة ثم قاضيا الى ان استقال من جهاز القضاء وعمل محاميا فى مدينة طرابلس الى ان قامت اجهزة القمع البوليسى بتصفيته جسديا واغتياله بعد اعتقاله فى ابريل سنة 1980م.
(8) هو المرحوم الاستاذ عبد العاطى ابراهيم حداش ، جتاز امتحان رجال القضاء والنيابة سنة 1960م وعمل وكيلا للنيابة العامةفى بنغازى وبعد خروجه
من السجن سنة 1963م عمل محاميا ، ومن بعد انقلاب سبتمبر سنة 1969م اعتقل مرات عديده إلى أن استشهد فى الحادث المبر لإسقاط الطائرة
اليبية فى رحلتها رقم ( 1103) من بنغازى الى طرابلس بتاريخ 22/12/1992م.
(9)هو المرحوم الاستاذ محمد فرج حمى 1920-1980م كان احد الأعضاء البارزين والنشطين فى جمعية عمر المختار ، وكان شرفا بمدرسة ( الأبيار ) ثم عين مسجلا الجامعة الليبية فى أول تأسيسها سنة 1957م. اعتقل مع رفاقه فى حزب البعث العربى سنة 1961م وبعد خروجه من السجن عمل ( محرر عقود) وفى ابريل سنة 1980م وإثر فروغه من تشييع جثمان رفيقه عامر الدغيس وتأبينه اعتقل وقتل تحت التعذيب – ابريل سنة 1980م
(10)هو المرحوم النقيب محمد فرج التومى 1946-1976م التحق بالكلية العسكرية الليبية سنة 1964م وتخرج منها ضابطا برتبة ملازم فى اغسطس سنة 1966م ، وكان عضوا فاعلا فى صفوف حزب البعث فى ليبيا كما كان عضوا بتنظيم حركة الضباط الأحرار الذى اطاح بالنظام الملكى سنة 1969م واعتقل فى 4/12/1969م بتهمة الاشتراك فى اول محاولة انقلاب لاسقاط النظام الثورى وإقصاء القذافى عن القيادة بتدبير انقلاب عسكرى
بقيادة المقدمان ( أدم الحواز وزير الدفاع و موسى احمد وزير الداخلية فى حكوكة انقلاب القذافى .. وظل بالسجن الى ان اصيب بكسر فى الجمجمة وتوفى فى 20 مارس سنة 1976م.
(11)راجع: كتاب " صفحات مطوية من تاريخ ليبيا السياسى" مصطفى بن حليم – لندن 1992م
(12)سعدون حمادى هو : احد القيادات العراقية لحزب البعث ، يحمل شهادة للدكتوراة فى الاقتصاد من جامعة ويسكانسن الاميريكية
سنة 1957م وعمل فى ليبيا موظفا بمصرف ليبيا المركزى الى ان قبض عليه سنة 1962م وتم ترحيله الى العراق حيث عين وزيرا لمرات عديدة كما تولى رئاسة مجلس الوزراء قبل ان ينتخب عضوا فى المجلس الوطنى ثم رئيسا له فى دورات عدة .
13)راجع : مصدر ستلق
14)راجع: كتاب ´متل جمال عبد الناصر " عزيز السيد جاسم ، المكتبة الوطنية ، الطبعة الثانية – بغداد سنة 1985م.
15): عقب استقلال ليبيا ، وبعد أول انتخابات نيابية سنة 1952م ، أصدر مجلس الوزراء قرارا يقض بـ( حل جميع الأحزاب السياسية
فى ليبيا ) بأعتبار ان الأحزاب القائمة وقتها ؛ امت وتأسست لمقاومة الإحتلال والنضال من اجل استقلال ليبيا ، وقد انتهت مرحلتها بإنتهاء اسباب قيامها المشار اليه فى برامجها وبيانات تأسيسها ، وباعلان استقلال ليبيا .. ولم ينص الدستور الليبى الصادر فى 7 أكتوبر سنة 1951م ولا تعديلات
اخحكامه فى 27/4/1963م على حظر تأسيس أو قيام الاحزاب السياسية ، كما ولم يصدر قانون يبيح أو يشرع لتأسيس الأحزاب فى البلاد ، غير
إن المادة (26) من الدستور قد نصت على أن " حق تكوين الجمعيات السلمية مكفول ، وكيفية استعمال هذا الحق يبينها القانون ط الى جانب ما نصت به المادة (22) بأن " حرية الفكر مكفولة ولكل شخص الإعراب عن رأيه و إذاعته بجميع الطرق والوسائل ، ولا يجوز اساءة استعمال
هذه الحرية فيما يخالف النظام العام أو ينافى الأداب " وكذلك المادة (5) التى تكفل ( حق الاجتماع السلمى مكفول فى حدود القانون ) وتلك النصوص الدستورية الصريحة هى التى بنت عليها هيئة الدفاع دفوعها ببطلان إقامة الدعوة على المتهمين فى قضية حزب البعث العربى وطالبت بالبراءة والتعويض عما أصاب المتهمين من أضرار مادية ومعنوية بسبب الاعتقال والمحاكمة .
تعليقات القراء:
النويرى

الله واكبر لماذة المعارضة الليبية لاتذكر في الشهيد مصطفي النويري
خالد

الديمقراطيه حق للشعوب اما في ليبيا ليس هنالك ديمقراطيه بل هناك الحزب الواحد وهو مايسماء العقيد القذافي وهو نسخه طبق الاصل من ابو جهل يدعي انه يعرف كل شي وهو مشرق والناس مغربه يجب اسقاط نظامه لكي يتحرر الشعب من الاستبداد والفساد المالي والاداري ويختسل في شخص القذافي المفاعل النووي كلف اموال طائله من الشعب المنهك وفي الاخر يسلمه الى الاميركان هوعميل من تحت الطاوله للامريكان فيا شعب هبوا لاسقاط الضالم المسيطر على مدخراتكم
العودة الى أعلى الصفة
المقالات التي تنشر تعبر عن رأي أصحابها الا ما ينشر باسم الحركة الوطنية الليبية
حقوق الطبع والنشر محفوظة لصوت الطليعة