الخميس 30 أكتوبر 2014
بحث
أهون ألف مرة
أن تدخلوا الفيل بثقب إبرة
وأن تصيدوا السمك المشوي
في المجرة
أن تحرثوا البحر
أن تنطقوا التمساح
أهون ألف مرة
من أن تميتوا باضطهادكم
وميض فكرة
وتحرفونا عن طريقنا
الذي اخترناه
قيد شعرة
صوت العقل: النيهوم في هلسنكي .. النكسة والكلمات
مقــــالات - 2 سبتمبر 2010
أرسل المقال اطبع المقال
المرحوم الصادق النيهوم
المرحوم الصادق النيهوم
في اللحظات المؤلمة من عمر الأمة
لم يقم النيهوم بالتصفيق لأحد، ولم يقم بجلد الذات أو إفراغ شحناته العاطفية.
بقلم: سالم الكبتي
عندما ظهرت في الأفق علامات اللهيب الذي ارتفع في المنطقة العربية قبيل يونيو/ حزيران 1967، وظلت ناره تستعر بلا توقف، كان وقتها الكاتب الليبي الصادق النيهوم في هلسنكي يكتب دراساته الأدبية والفكرية والاجتماعية ومقالاته المتصلة في الغالب بالشأن المحلي، وقد استطاع أن يتابع ـ وبصفته مواطناً عربياً في المقام الأول، ثم كاتباً يقيم على حواف الجليد ـ عن قرب تلك البوادر والعلامات وما تنقله طواحين الإعلام الغربي، بصورة عامة، في جوفها من الأخبار والتحاليل والتعليقات والأنباء.

كان العرب وقتها مقطّعي الأوصال، يرجم بعضهم بعضاً بالشتيمة والحجارة، ويكسرون زجاج نوافذهم بأيديهم، ويعيشون على العنتريات التي (ما قتلت ذبابة!). ويتكئون على ماضٍ لم يستفيدوا من تجاربه وذكرياته ودروسه البعيدة والمعاصرة، لم يتفقوا على رأي، ولم يتخذوا مواقف موحّدة تجاه العواصف الهابّة عليهم من كل الأرجاء. كانوا يتحدثون بصوت عالٍ يعتمد على العاطفة، ولم ينتبهوا على الإطلاق إلى واقعهم بكل مصداقية، وتركوا الساحات الخارجية عبر العالم تصول فيها إسرائيل ـ مع الغرب بالطبع ـ التي ظلّ الجميع يربّت عليها بحنان. ولا يرضى فيها شيئاً .. ويبرّر أفعالها، ويصاب بالبكم حيالها، ويؤيّدها في وضح النهار في المؤسسات الدولية المهيبة.

وللمزيد، لم تفلح الجامعة العربية، ولا مؤتمرات القمة، ولا وزارات الخارجية العربية، ولا الإعلام العربي ـ في الداخل أو الخارج ـ في معرفة "العدو" ومواجهته مواجهة حقيقية خالية من الخطابة والحماس الأجوف، لكن ذلك أفلح ـ في واقع الأمر ـ في المزيد من فتل الشوارب والعضلات والتشنّجات وكيل الاتهامات والتخوين في عملية واضحة ارتكزت منذ بداياتها على إبعاد صوت العقل.

كان الواقع العربي مثقلاً بالتخلّف والصراعات وعدم وجود هوامش واسعة وضرورية من الحرية والشفافية ـ إلاَّ فيما ندر ـ وكان الإنسان العربي يتحمّل كل التبعات ويجر إلى الخيبات، وكان من الطبيعي أن تحدث الهزيمة التي صوّرت ـ تلك الأيام ـ على أنها "نكسة" وأن تنزف المزيد من الجراح والدمامل، وتضيع القضية العربية في دهاليز الأروقة الدولية، بعد ضياع جزء كبير من أراضي الأمة في جولة عسكرية إسرائيلية دامت ستة أيام، وبدأ العرب الذين استفاقوا على الصدمة التي حاول طوفان الإعلام العربي تغطيتها بالتضليل منذ الساعات الأولى للحرب، في مرحلة جديدة من الحزن والنواح، ورغم ما حدث ظلّ ثمة توهّج يلوح في عتمة الجدران العربية بظهور أصوات أخذت تشير بشجاعة إلى مكامن الخطأ القاتلة، وتدعو إلى الاستفادة من "النكسة" التي قوّت من تكسّر النصال على النصال!

ومن موقعه في هلسنكي، حيث يقيم ، تلك الفترة، وقربه من أصداء الرأي العام الغربي، شرع النيهوم، المواطن والكاتب، في توجيه اهتماماته وكتاباته نحو ذلك الموضوع الذي هزّ العرب وعصف بهم في لحظة من الزمن. وبإمكاناتهم السياسية والعسكرية، وشرشحهم بسخرية العالم واستهزائه، وأرسل بمقالاته وملاحقته للحدث، ترجمة وكتابة، بصورة تكاد تكون شبه يومية للإبانة عن الحالة وكشف عوراتها للمواطن، بالإضافة إلى نقل انطباعات وآراء الجانب الآخر المنحاز والمشوّه ضد العرب (من المحيط إلى الخليج) ودحض تلك السخرية والانحياز إلى دولة تحتقر الإنسان، وتكرّس العنصرية بين مواطنيها وتمضي نحو مشروعها بالعنف وتصفية الآخر بتهمة العداء لـ "السامية"!

كانت للعرب ـ دون شك ـ أخطاء .. وأخطاء كثيرة .. وكبيرة، ولكن في اللحظة ذاتها كان للغرب، أو العالم عموماً ـ استثناء من بعض الحالات ـ أخطاؤه المتعددة أيضاً في إدارته للصراع وانحيازه الكامل وإغماض عينيه عن الحقوق المشروعة للإنسان العربي، وهذه "الأخطاء الغربية" تحمّل العرب، مسؤولين ومواطنين، نتائجها، تبعاً لأخطائهم في الدرجة الأولى، وعدم معرفتهم أيضاً أو إتقانهم للتعامل مع العالم ـ رغم وجود الخبرات والكفاءات ـ الذي داخ في طريقة إدارة العرب أنفسهم لمعاركهم وصراعهم مع إسرائيل، وتعاطيهم مع قضيتهم منذ عام 1948م (النكبة) إلى يونيو/حزيران 1967 (النكسة) وتداعياتهما.

في تلك اللحظات المؤلمة من عمر الأمة، لم يقم النيهوم بالتصفيق لأحد، ولم يقم بجلد الذات أو إفراغ شحناته العاطفية، ولكنه اتجه إلى المواطن العربي البسيط، وحاول أن يشير إلى قادته ومفكّريه إلى مواطن المرض المعروفة في الجسم العربي، وظلّت مقالاته السياسية تلك يربطها (خيط واحد) لأنها في الأصل موضوع واحد تفرّعت عنه موضوعات وعوامل أخرى.

وكان لبعض آراء النيهوم في هذا الجانب ردود ومفاهيم معاكسة ـ وذلك أمر طبيعي حتماً ـ رمته أحياناً بخيانة الأمة والعمالة لإسرائيل والغرب، وبأنه بوق ينقل وجهات نظرهما، وما إلى ذلك، خاصة عندما شرعت بعض المنظمات الفلسطينية المسلحة في نقل نضالها إلى الخارج لإسماع العالم صوتها ـ كما بدا لها الأمر ـ باختطاف الطائرات المدنية والطواف بها فوق مختلف المطارات، ثم بإعدام مجموعة من العراقيين اليهود في بغداد بتهمة "العمالة لإسرائيل"، وتضارب أقوال بعض المسؤولين العرب في اللقاءات الصحافية العالمية ـ التي حضرها النيهوم ـ في رؤيتهم المتناقضة لاستمرار الحرب والحل السلمي!

إن موضوع النكسة المرتبط بأثقال وهموم المواطن العربي وتخلّفه الفكري والاجتماعي والسياسي هو الذي جعل النيهوم، الليبي المقيم في أقاصي أوروبا، يهتم اهتماماً بالغاً بالكتابة الجريئة عنه ـ كما هو الحال بالنسبة له ـ وربما أتى ذلك كله على حساب دراساته ومقالاته الأخرى التي كان يوالي نشرها في صحيفة "الحقيقة" الليبية تلك الأيام.

ولعلّ النيهوم تمثّلت جرأته ومناكفته للسائد والراكد بتأكيده المستمر على أن إسرائيل مجرد نبتة بريّة عديمة الفائدة تغزو حقولنا لغياب الفلاحين عندنا، وأن إسرائيل لم تقتلنا فنحن ميّتون من زمان، وأن التأخر العربي فتك بالعرب قبل أن تفتك بهم إسرائيل في لحظة خاطفة.

وربما ـ إلى الآن ـ بعد إعادة نشر هذه المقالات بفترة تزيد عن الأربعين عاماً، لا يزال العرب بمفكّريهم وسياسييهم ومنظّريهم، يبحثون عن العلاجات ـ وليس العلاج ـ لعلل الأمة المهيضة الجناح، وما استطاعوا، كانت حيلتهم بسيطة، وكانوا ـ ولا يزالون ـ يصطدمون بواقع مرير ومحزن لا يعتمد في الأساس "صوت العقل".

إن كل التضحيات النبيلة التي نهض بها المواطن العربي، الذي ربط (حزامه على بطنه)، والبسالة المنقطعة النظير التي رفعتها روح المقاومة داخل الأراضي المحتلة وما جاورها، لم تتوافق كثيراً مع إيصال الصوت العربي الحقيقي للعالم، الذي ظلّ يسمع الآن الأصوات العربية وبمختلف الحناجر والأهواء، وليس صوتاً واحداً وفقط، وكان العالم خلال هذا كله منزوع الضمير وخالياً من التعاطف الفاعل ومتـّسماً بالكذب. فمن يهن يسهل الهوان عليه، كما قال جد الشعراء العرب وحكيمهم "المتنبي".

ذلك ما أراد أن يقولهم النيهوم في الزحام، أن يوصله من هلسنكي إلى بنغازي. أن يقترب من الحدث منذ اندلاعه، كان يريد أن يقول ببساطة إن إسرائيل مشروع عنصري فاشل سينتهي حتماً لأنه ضد الله والإنسان والخير، مشروع يختفي وراء أقنعة من أساطير التوراة والدجل الديني المزيف، وأن الغرب الذي نلهث وراءه دون أن يعبأ بنا، بديمقراطيته وحضارته المزيّفة ومدنه الإسمنتية التي تموت فيها روح الإنسان. الغرب الذي يدّعي المساواة والدفاع عن حقوق الإنسان، والذي شجّع على قيام إسرائيل منذ ساعتها الأولى، وكان أول من أحرق اليهود خلال الحرب العالمية الثانية، هو "غرب غريب" لا يعرف من العرب شيئاً، ولا عن قضاياهم وحضارتهم وتراثهم، سوى أنهم يقيمون في صحراء قاحلة مترامية الأطراف تمدّه بالنفط على مدار الساعة.

كلمات النيهوم ومقالاته عن النكسة وعلى مدى أعوام كانت شاهداً من شهود تلك الحقبة، وكانت تمثـّل رؤيا ووجهة نظر وقف العرب على كثير من أبعادها وتفاصيلها، لأنها مع شيء من المرارة والقسوة اعتمدت على "صوت العقل" الذي لا شيء غيره في الحوار، والنقاش، والعلاج لأسباب وقهر "العدو في الداخل" أولاً وقبل كل شيء آخر.
العودة الى أعلى الصفة
المقالات التي تنشر تعبر عن رأي أصحابها الا ما ينشر باسم الحركة الوطنية الليبية
حقوق الطبع والنشر محفوظة لصوت الطليعة